يا مَن نفى عني لذيذَ مَنامي

198 أبيات | 231 مشاهدة

يـا مَـن نـفـى عـنـي لذيـذَ مَـنـامـي
مــنــى إليــك تــحــيــتــي وسـلامـي
يــا مَــن لأوَّلِ نــظــرةٍ قــد خِــلتُهُ
مــلكــاً تــربَّعــَ فـوق عـرشِ غـرامـي
فــوهــبــتُهُ قــلبــي وكـلَّ سـعـادَتـي
وحــســبــتُ أنِّيـ قـد بَـلَغـتُ مَـرامـي
عـامـانِ قـد مَـضَـيـا لعَهـدِ غـرامِنا
أمــســى بـهـا جـسـمـي أليـفَ سَـقَـامِ
إنـــي ســـأشـــرحُ قِـــصَّتــي لكِــنَّمــا
أخــشــى دُخُــولَ الوَجـدِ طَـيَّ كـلامـي
قَــدِمَ الربــيـعُ فـفـاض بـالإنـعـامِ
ودرجـــتُ أرســـمُ للرُّبــى أحــلامــي
أعـدو عـلى النـيـلِ الحـبـيبِ هنيةً
وهــــنــــيــــةً أرتـــادُ أرضَ ســـلامِ
حـــتـــى نـــزلت بـــروضــةٍ فَــوَّاحــةٍ
هـــي مـــســـرحُ الغُـــزلانِ والآرامِ
حَـوَت العـجـائبَ مـن فصيلاتِ الفَلا
وبَــدَت جــمــالاً فــي أَتَــمِّ نِــظــامِ
فَـوَلجـتـهـا والقـلبُ يَـرقُـصُ غِـبـطَـةً
وســمــعـت فـيـهـا صَـيـحَـةَ الضِّرغـامِ
مـاسَـت غُـصُـون البَـانِ طَـوعَ نسيمها
فـانـجـاب مـن فَـرطِ الهـناءِ ظلامي
يـا نـعـمـهـا مـن روضةٍ في مصرَ قد
جَـمَـعـت جـمـيـلَ الطـيـرِ والأنـعـامِ
تــتـسـرَّبُ الحُـورُ الحـسـانُ لدورِهـا
مــن فــاتــكـاتِ اللحـظِ والهـنـدامِ
ألفـيـتُ فـي وَسـطِ الحـديـقـةِ جَـوقَةً
صَــدَحَــت تُــوَقِّعــُ أطــيــبَ الأنـغَـامِ
فَـرَغِـبـتُ أن أبـقـى لأُطـرِبَ مِـسـمعي
وكــأَن سَــرى بــالزائريــن مَـرَامـي
فـتـسـابَـقَـت نـحوَ المكانِ الكاعِبا
تُ الغِــيــدُ يــجـذبـهُـنَّ صَـدحُ حَـمـامِ
وَتَـزاحَـمَـت حَـولَ الكـواعـبـش فـتيةٌ
كُـــلٌّ له شَـــغَـــفٌ بـــكــأسِ مُــدامــي
بَيننا السِّهامُ من العُيُونِ تبادَلَت
نـــحـــو القُــلُوبِ عــلى أتــمِّ وئام
كـنـتُ الوحـيـدَ بـمـعـزِلٍ عـن جمعِهِم
وتــكــادُ تُــسـعـدُ وحـدتـي أحـلامـي
سَـرعـانَ مـا انـقطع الخيالُ لأنني
حـالاً شُـغِـلتُ بـمـا اسـتـحـقَّ هيامي
ظَــبـيٌ تـنـازَلَ مـن سـمـاءِ نـعـيـمـهِ
لا بــل مــلاكٌ فــاقَ بــدرَ تَــمــامِ
حُــلوُ الشــمــائلِ أهــيَــفٌ مُــتَــرَبِّبٌ
جــذَبَ القُــلوبَ بــثــغــرِهِ البـسَّاـمِ
يُـزرى بـغـصـنِ البـانِ فـي حـركـاتِهِ
وَيَــفُــوقُهُ حُــســنــاً بــليــنِ قَــوامِ
ويــمــاثِــلُ الطـاوُوسَ فـي خُـطُـواتِهِ
مــتــفــاخــراً بــجــمــالهِ النَّمــَّامِ
بـهـجٌ الرداءِ إذا تـبـسَّمـَ ضـاحـكـاً
صَــرَعَ القــلوبَ وصـادَهـا بـسـهـامِـد
رشــأٌ تــســربَـلَ بـالجـمـالِ فَـوَجـهُهُ
قـد صـيـغَ مـن نُورِ الغرام السَّامي
فــإذا رنـا للشَّمـسِ أوقـف سَـيـرَهـا
رَمَــتِ القِــنــاعَ وأردفــت بِــسَــلامِ
والبـدرُ يـخـجَـلُ مـن ضـيـاءِ جـبينه
ويــخــافُ أن يــبــدُو بـغـيـرِ لثـامِ
أهـدتـهُ مـبـدِعَـةُ الدَّلالِ لحـاظـهـا
فــكــأنَّهــا طــيــرٌ وكــان الرَّامــي
بــاهــي المـحـيـا زانَ حُـمـرةَ خـدِّهِ
وَردُ الصِّبــــى وتــــوقُّدُ الأحــــلامِ
مَـرَّ النـسـيـمُ بـهـا فـحـيـا بـاسماً
وجــرى يُــوجِّجــُ بــالأَريــجِ ضِـرامـي
ومــضــت ثــوانِ خِــلتُ فـيـهـا أنَّنـي
زُرتُ الجِــنــانَ وحُــقِّقــَت أحــلامــي
بـيـنـا أنـا فـي بـحـر وجـدي سابحٌ
أشــتــاقُ أن لا تـنـقـضـي أوهـامـي
إذ قــد تــحـوَّلَ نـحـو وجـهـي وجـهُهُ
فــتــســعَّرَت فــي مُهــجــتــي آلامــي
وتــحــركـت قـدمـانـي لا أدري إلى
أيِّ الجــهــاتِ تــحــرَّكَــت أقــدامــي
ومـشـيـتُ مـن خَـمـرِ الهَوى مُتمايلا
ثـــمِـــلاً ولكــنــي بــغــيــر مُــدامِ
دَخَـلَ الهـوى قـلبـاً خـليـاً لم يَكُن
يـدري الهـوى حـتـى اكـتـوى بغَرامِ
وطــفِــقـتُ لا أدرى حـلمـاً مـا أَرَى
أم يــقــظــةً أم فــتــرةَ الأوهــامِ
وتـحـركـت قَـدَمـاهُ نـحـوي فـاغـتـدى
قَــلبــي يَــدُقُّ وخــانَــنــي إقـدامـي
يـا نِـعـمـهـا مـن سـاعـةٍ فيها جرى
مـاءُ الحـديـث فـجـاء طِـبـقَ مـرامي
وتـحـركـت شَـفَـتـاهُ نـحـوي وانـحـنى
بــعــوائد التــركــيِّ عــنــدَ سَــلامِ
وَرَنــا وقــالَ الوقـتَ أَرجُـو سـيـدي
إيــضــاحُهُ إذ حــان أخــذُ تِــرامــي
فــأجــبــتُه ويـدي تُـلاعِـبُ سـاعـتـي
والقَـلبُ يـرقـصُ مـن لذيـذِ مـنـامـي
قــد مَــرَّ بـعـد السـتِّ عـشـرُ دقـائقٍ
وأَرى الغــزالة أعــلنَــت بــســلامِ
فــتــلفَّتــَ الظـبـيُ الجـمـيـلُ كـأَنَّهُ
يــخــشـى هـجـومَ البـاطـش الضِّرغَـامِ
وتــلفــظــت شـفـتـاه هَـيَّاـ سـاعـتـي
إنــي أرى قــد حــان وقـتُ طـعـامـي
وتـحـركـت يُـمـنَـاهُ نـحـوِي وانـثـنى
يــنـوي الرَّحـيـلَ مـضـاعِـفـاً آلامـي
فـرأيـتُ نـجـمَ سَـعـادَتـي قـد أظلمت
أنـــوارُهُ وغـــرِقــتُ فــي أوهــامــي
وجــمـعـتُ كـلَّ قـواي بـل وبـسـالتـي
وأفــقــتُ حــالاًمــن لذيـذِ مـنـامـي
وتــحــركــت شــفـتـاي رغـم إرادتـي
كــيــمــا أقــاوم عِــلَّةَ الإبــكــامِ
وسـألتـهُ مـا الإسـم قـالَ ولحـظثهُ
كـالسـيـف يـلعَـبُ فـي يـد الصـمَّصَامِ
إن شــئت أســقِــط ســتَّةــً مـن مـائةٍ
هــذا الحــســابُ بــجــمَّلـِ الأرقـامِ
فـصـبـرتُ حـيناً لم أَذُق طَعمَ الهُدَى
وكــأنــنــي قــد صُــدِّعَــت أقــلامــي
ومَــضَــت ثَــوَانٍ والســكــونُ مــخــيِّمٌ
مــن حَــولِنــا والفِــكــرُ فــي آلامِ
حـتـى عـثـرتُ بـمـطـلبـي فـغـدوتُ من
طـــرب المـــسَــرَّةِ راقــصَ الأقــدامِ
نــاديــتُهُ فــاهــتـزَّ تـيـهـاً جـيـدُهُ
وكـــأَن تَهَـــلَّلَ وجـــهُهُ بـــكــلامــي
وأجـــلاب والإعـــجــابُ صَــيَّرَ خــدَّهُ
مــا بــيــن لون الوَردِ والأعـنـامِ
كـيـفَ اهـتـديـتَ إلى أُصُـولِ حـروفـهِ
كـــيـــف اتَّصـــلت بـــفــائِه واللامِ
مــن أيــن تــدري أنــه مــن أربــعٍ
قــد صِــيــغَ والتــكـرار بـالإلزامِ
فـأجـبـتُهُ هـذا الحـسـاب صـنـاعـتـي
إنـــي أعـــلِّمُ صِـــيـــغَــةَ الأرقــامِ
فـرََنـا وقـالَ سـألتـمُـوا فـأجـبتُكُم
وعَــلَىَّ حــقُّ سُــؤالِ الاســتــفــهــامِ
لك مــا تـشـاءُ فـمـايـتـانِ وعَـشـرَةٌ
وأضِـف إليـها اثنين يا ابن كِرامِ
وحــروفُهُ سَــبــعٌ أقــولُ بِــوَصــفِهــا
إسـمـاً بـه قـد عِـيـلَ صـبـرُ غَـرامـي
وبـه وقـد إن أُخـرجـت فـاسـتُـبـدِلَت
بــاليـاء بـعـد الراءِ تـم مـرامـي
فـتـنـبَّهـَ الظـبـيُ الجـمـيلُ وتَمتَمَت
شـفـتاهُ صُن يا ابن الخليلِ زِمامي
فـكـأنـنـي يـعـقـوبُ أبـصَـرَ بـعـدمـا
قَــضَّى زمــانــاً فــي بــكــاً وظَــلامِ
وكــأن دُرَّ حــديــثــهِ قــد جــاءَنــي
كــقـمـيـصِ يُـوسُـفَ فـانـجـلت أيَّاـمـي
والروضُ هـبَّ بـه النـسـيـمُ مـباركاً
والطــيــر أَشـدَت مُـنـعِـشَ الأنـعـامِ
وبـلابِـلُ البُـسـتـانِ طـارت حـولَنَـا
وكـــأَنَّهـــا تـــدعُـــو لَنَــا بِــدَوَامِ
والنَّرجِـسُ الغـضُّ الجـمـيـلُ تـمايَلَت
أعـــطـــافُهُ بـــالوردِ والأكـــمــامِ
وتــراقــصــت أغــصــانُهُ وَتَــبَــسَّمــَت
أزهـــارُهُ وَعَـــلا هـــديـــلُ حَــمــامِ
فـوقـفـتُ مـن طَـرَبِ المَـسَرَّةِ حائراص
أشــتــاقُ حــكـم النـقـض والإبـرامِ
هَــدَأَ النــســيــمُ وكـلُّ حـيٍّ حَـولَنـا
قــد صــار يُـشـبـهُ صـورةَ الأصـنـامِ
هَــبَّ النــســيـمُ فـشـاغـلت حـركـاتُهُ
عــيــنــي وقـلبـي ثـم نـارَ غـرامـي
وَتَـــدَفَّقـــَت عَــنِّيــ حُــنُــوّاً نــحــوه
وكــأنَّ وجــدي قــد أذابَ عِــظــامــي
وتــحــركــت يُــمــنـاي تَـلمَـسُ زَنـدَهُ
فـاهـتـزَّ جـسـمـي وارتـخَـت أقـدامـي
واشــتـدَّ فـي خَـفـقـانِهِ قـلبـي وقـد
أمــســى بــجــسـمـي كـلُّ عـضـوٍ دامـي
وحــسِــبــتُ أنِّيــ عـنـدمـا صـاحَـبـتُهُ
قــد صِــرتُ حــارِسَ رايــة الإســلامِ
وكـأنَّ مُـوسـيـقَـى الحـديـقـةِ خَلفَنا
عــزفــت لِصُـحـبِـتـنـا بـحُـسـنِ خِـتـامِ
والشـمـس عـنـد مَـغـيـبـها قد قَبَّلَت
وجـــنـــاتِهِ فَـــتَـــلَهَّبـــَت بـــضــرامِ
والطـيـرَ عـنـد فـراقـهِ قـد ابـدَلت
أنـــغـــامــهــا بــالوَجــدِ والآلامِ
وحَـنَـا عـليـه البَـانُ يـمـنـعُ مَشيَهُ
حــتــى الغــصـونُ تَـعَـلَّقَـت بـالهـامِ
عَــشِــقَـتـهُ كـلُّ الكـائنـاتِ فـحـسـنُهُ
قــد جـاء يـجـمـعُ غـايـةَ الإحـكـامِ
خَـطَّتـ يَـدُ التـكـويـنِ فـوق جـبـيـنه
هـــذا مَـــلاكُ الطَّولِ والإِنـــعـــامِ
وَعَــشِــقــتُهُ لا للجــمــالِ وإنــمــا
لجــمــيــلِ أخــلاقٍ وحُــســنٍ نِــظــامِ
مـا زال يُـطـرِبُـنـي بِـعَـذبِ حـديـثـهِ
حــتــى تــركــنــا مــنـزِلَ الضِّرغـامِ
خَـرَجَ الأمـيـنُ عـليـه يـستدعي لنا
سَــــيَّاـــرَةً مـــن شـــارعِ الأهـــرامِ
وخــرجــت واليُــســرى تُـطـوِّقُ خـصـرَهُ
فـــكـــأنـــه بـــدرٌ بـــدا بـــظــلامِ
شَــخَـصَـت له كـلُّ العـيـونِ وَلَيـتَـنـي
ثــوبٌ عــليــه لكــي أُريــحَ غـرامـي
ســاعَــدتُهــث حــتــى جــلسـت جِـوَارَهُ
إيــوانُ كِــســرى كـان دون مـقـامـي
وعــدت هـنـالك صـافـنـاتُ جِـيـادِنـا
مــدت مــفــاتــنــهــا كَـفَـرخِ نَـعَـامِ
والجــوُّ رَقَّ نَــســيــمُهُ مــن حـولنـا
والبــدر أجــلى مُــزعِــجَ الأحــلامِ
وتـجـلَّت الهـيـفـاءُ تـلعـبُ بـالنُّهى
لَعِــبــاً تــضــيــقُ لوَصـفَهِ أفـهـامـي
وكـواكـبُ العَـليـاءش زاد وَمـيـضُها
واصـطـفـت الحُـورُ الحِـسَـانُ أمـامـي
مــا زال ســائِقُـنـا يـسـوقُ جِـيَـادَهُ
حــتــى وصــلنــا مَــلعَــبَ الأقــدامِ
فــســألتُهُ إن كــان يَــســمَـحُ وَقـتُهُ
كــيــمــا أقــومَ بــواجـبِ الإكـرامِ
فَــرَنــا بــلحـظِ جُـفُـونِهِ وأَجـابـنـي
شــكــراً ولكــن حــانَ وقـتُ مَـنَـامـي
فــرأَيــتُ أن وجَــبَ الوصــولُ لِدارِهِ
حــتــى أفُــوزَ بِــصُــحــبَــةٍ وتـدانـي
قَــصــرٌ بـمـصـرَ عـلى الولاء مُـشَـيَّدٌ
بــيــت الكـرام لقـاصِهـا والدانـي
تــلتــفُّ حــول فـنـائِه فـيـحـاءُ قـد
عــبــقــت بــســرِّ الوَردِ والرَّيـحـانِ
غــنـاءُ نـبـسـم والزهـورُ تَـزِيـنُهـا
كــقــلائد اليــاقــوتِ والمَــرجــانِ
والطـيـر كـان صـغـيـرُهُ يـدعـو إلى
تــحــريــكِ أعــطــافٍ لِغُــصـنِ البَـانِ
وَخَــريــرُ أفـوَاه الجـداول شـاركـت
أنـغـامَ طَـيـرِ الرَّوضِ فـي الألحـانِ
وَلَجَ العـزيـزُ عَـريـنَهُ مـن بَـعدِ أن
أهــدى سـلامـاً ضـاع فـيـه بـيـانـي
والبــدرُ أسـفـر والزهـورُ تَـبَـسَّمـَت
واســتــقــبـلتـه شـقـائق النُّعـمـانِ
نـطـق اللسـان مُـتَـرجِـماً عن مُهجَتي
ســــر فــــي ســــلامٍ دائمٍ وأمــــانِ
يـا أيـهـا البـدرُ الذي عَـنِّى نَـأَى
تــرعــاك عَــيــنُ عــنـايـةِ الرحـمـنِ
إن كــنـتَ قـد أظـلمـت جَـوَّ مَـسَـرَّتـي
فــكـذاك شَـأنَ البـدر فـي الدَّورَانِ
صــبــراً فـؤادي كـلُّ بُـعـدٍ يـنـقـضـي
والدهـــرُ ضـــدَّ رغـــائبِ الوَلهـــانِ
غــادَرتُ ذاك القــصـرَ أحـسُـدُهُ عَـلَى
سِــحــرٍ بــه يُــزرى بـسـحـر بـيـانـي
وقــفـلتُ مـكـتـئبـاً أحـنُّ إلى الذي
مَــلَكَ الفــؤادَ بــلحــظِهِ الفَــتَّاــنِ
سُــبــحــانَ مــن زَرَعَ الورودَ بـخَـدِّهِ
وجَـــلَت سَـــنَــاهــا زهــرةُ الرُّمَّاــنِ
مَــن لي بِــدَمـعـي كـي أُرَوِّيـهـا بـه
حــتــى تــضـاعـف حُـسـنَهـا نِـيـرانـي
ســيــانِ فــي حُــلمٍ أرى أم يــقـظـةٍ
داعٍ إلى خــدِّ الحــبــيــبِ دعــانــي
وقــضــيـت داجـي ليـلَتـي مُـتَـقَـلِّبـاً
حـيـرانَ لا يـهـوى الكـرى أجـفاني
يـهـفـو النُّعـاسُ بِـمُـقـلَتِـي فـيـرُدُّهُ
طَـــيـــفٌ يُــجَــدِّدُ ذِكــرُهُ أشــجــانــي
حــتــى إذا ذهـب الظـلامُ وأشـرقـت
شـمـسُ الضُّحـى تـزهـو عـلى الأفنانِ
بــادرتُ حـالاً بـارتـداءِ مـلابـسـي
وخــرجــتُ أقــصــدُ مَــسـرَحَ الغُـزلانِ
والشـمـسُ قـد نَـشَـرَت ذوائبَ شَـعرِها
تـكـسـو الرُّبَـى حُـلَلاً مـن الألوانِ
فَـعَـرَجـتُ نـحو القصرِ أذكُرُ ما مضى
وَأُعَــــلِّلُ الآهــــالَ بــــالوِجــــدانِ
وأُرَاقِــبُ الظَّبــي الغــريــرَ لَعَــلَّهُ
يَــنــسَــابُ بـيـن مَـعـاقِـلِ الوِديـانِ
ومـضـى طـويـلُ الوقـتِ حـتـى خـلتُني
فــي مِــرجــلٍ والجــوُّ أحــمــرُ قــانِ
بــيـنـا أنـا والجـوُّ حـولي مُـعـتِـمٌ
عَـصَـفَـت ريـاحُ صبا الحبيبِ الجاني
فَــتَـحَـوَّلَت عَـنِّيـ الكـآبـةُ واعـتَـلَت
وجـهـي المـسـرَّةُ وانـجَـلَت أحـزانـي
ورايــتُ أحــسَـنَ مـنـظـرٍ يـدعـو إلى
نـظـمِ القَـريـضِ يَـحَـارُ فيه الباني
غُـصَـنـيـنِ بـيـنـهـما مَهاة قد بَدَتا
فَــتَــنَــت قــلوبَ الحُــورِ والوِلدَانِ
كَـسَـفَـت جـمـالَ الشـمسِ وجنتُها وما
للبــدرِ ضَــوءُ جَــبـيـنـهـا الفَـتَّاـنِ
فـاقـت غـزالَ الأمـسِ عَـشـرَ مـراحـلٍ
وَعَــلضــت تُــشـاهـدُ دارةَ المـيـزانِ
والثَّوبُ لم يـحـجُـب خـفـايـا جسمها
غُــصــنــاً تــرَبَّعــَ فــوقــه نــهــدانِ
بـاح القـمـيـصُ بِـسِـرِّ مكنونِ الهوى
فــجــلا سـنـا فـجـرٍ أضـاءَ عَـيـانـي
يـا ليـتـنـي كـنـتُ القـيـمص وليتَهُ
كـان المُـعَـذَّبُ فـي الغـرامِ مـكاني
حُــورِيَّةــٌ ضَــمَّ الوِشــاحُ قَــوامــهــا
فـــكـــأنــهــا وَوِشــاحَهــا قَــمَــرَانِ
سَــلَّت صَــوارِمَ لحـظِهـا مـن غِـمـدِهـا
فــسَــطَــت عــلى الآسـادِ والغُـزلانِ
وَتَـــبَـــسَّمــَت عــن لُؤلؤٍ مــمــتــنــعٍ
مــرجَ النُّهــى بــحـريـن يـلتـقـيـانِ
تــركــتــه للعــشـاقِ يـنـسِـبُ خَـدَّهـا
واصــبــوتــي مــنــه بــأحــمـرَ قـانِ
خَــدٌّ يُــريــكَ نــعــيــمَهُ فــي نــارِهِ
يـا مـن يرى الفردوس في النيرانِ
صـاغَ الجـمـالُ جـبـيـنـهـا مُـتـعبداً
فـأتـى كـبـسـمِ اللَه فـي العـنـوانِ
شـخـصـت إلى الزرقـاء مـنـها مقلةٌ
وتــرفــعــت عــن رؤيــة الثــقــلانِ
وعـلت إلى الجـمـات تـطلبُ أن ترى
هـل فـي السـمـاءِ لهـا شـبـيـه ثانِ
فــحـسـبـتُ أنـي عـدت أحـقـابـاً إلى
عــهــد الخـرافـةِ أعـصـر اليـونـانِ
وعـجـبـتُ حـيـن رأَيـتـهـا قد شابَهَت
تــمـثـال أُورانـيـا عـظـيـمَ الشَّاـنِ
وجـرى بـها نبتُونُ يسبحُ في الفضا
وغَـدضـت لهـا الأفـلاكُ طَـوعَ بَـنانِ
وكــأن كــاليــبــو تــغــارُ لأنـهـا
مــلكُ الجــمــالِ إلهــةُ الأغــصــانِ
لكــنــمـا جُـوبِـتـيـرُ تـخـشـى بـطـشَهُ
فــهــو المُــنَــظِّمــُ خُــطَّةـَ الأكـوانِ
صَـــدَرَت أوامـــرُه إلى الألى بــأن
تـــبـــقــى تُــراقِــبُ دِقَّةــَ الدَّورَانِ
وأشـار للأُخـرى إلى الأرضِ اهبطي
كــي تُــظـهِـرِيـنَ مَـحـاسِـنَ الإنـسـانِ
وعــلا وكــلُّ الكــائنــاتِ مُـطـيـعَـةٌ
رغــم الأُنُــوفِ إطــاعــةَ العِـبـدانِ
هَـبَّ النـسـيـمُ فـأقـشَـعـضـت حـركاتُهُ
ســنــةَ الخــيــالِ وعــدتُ للوجــدانِ
فَـوَجـدتُـنـي مـا زِلتُ أقـتحِمُ اللظى
والشــمــسُ هَــزَّ لَهـيـبـهـا أركـانـي
والرئم يُـظـهِـرُ أنـهـا قـد لاحَـظَـت
أنــي أُصِــبــتُ بِــسَهــمِهــا الخَــوَّانِ
فَـكَـسـا الحـيـاءُ وُرُودَ خـديها دماً
ومــشـت وَذَيـلُ قـمـيـصـهـا يـرعـانـي
وتـمـايَـلَت كـالغُـصـنِ حَـرَّكَهُ الصَّبـا
وتــســتَّرَت عــن نــاظــري وعــيـانـي
نـاحـت لهـا الورقـاءُ عند فِراقِها
وأحــاط جَــيـشُ الليـلِ بـالبُـسـتـانِ
وبـقـيـتُ كـالتـمـثـالِ ليـس بـجـوفِهِ
قـــلبٌ يَـــدُقُّ بـــفـــرقَــةٍ وتــدانــى
لم أسـتـطـع تـحـريـك أعـضـائي ولم
يَـجـسُـر عـلى نُـطـقِ الكـلامِ لسـاني
لو أنــهــا عَــرَضَــت لأقــيـالٍ لمـا
هــامَ المــلوكُ بـبـهـجـة التِّيـجـانِ
ولو انــهــا عـرضـت لأشـمَـطَ عـابـدٍ
ألفَ السُّجــودَ مَــحَــبَّةــَ الغُــفــرانِ
لرنــا لطـلعـتـهـا وألهـاه الهـوى
عـــن ذِكـــرِ آي الواحـــد الدَّيَّاـــنِ
أنـا لم أكـن مـن هـؤلاء وليس لي
أمــلٌ بــأن أغــدو وحــيــدَ زمـانـي
لكــنـمـا مـا حـيـلتـي والسَّهـمُ قـد
راش الفــؤادَ وبــات طَــيَّ جــنـانـي
هـذا جـزاءُ فـتـىً تـلاعـبَ بـالهـوى
فـاعـتـاض حـلو العَـيـشِ بـالأحـزانِ
وظَــلِلتُ أنــتــظـرُ الغَـزالَ وإنـمـا
نــارُ الغــزالةِ أحــرقــت أبـدانـي
وسـألتُ نـفـسـي هـل تـكـونُ شـقييقةً
للبــــدرِ أم هــــذا مَــــلاكٌ ثــــانِ
ظَهَــرَ الغــزالُ وَثُــغــرُهُ مُــتَــبَــسِّمٌ
سَــرعــانَ مــا بــيــمـيـنـهِ حَـيَّاـتـي
هَــجَــمَ الســرورُ عــليَّ حــتــى أنــه
مــن فَـرطِ مـا قـد سَـرَّنـي أبـكـانـي
لله مـــا أبـــهــى جــمــيــلَ ردائهِ
ثـــوبٌ يُـــغـــازِلُ حـــلَّةَ السُّلــطــانِ
لو أنَّ كــســرى كــان فــي أيــامــهِ
لاخـــتـــارهُ لخـــلافـــةِ الإيــوانِ
مـدَّ اليـمـيـنَ مـصـافـحـاً ومـصـبـحـاً
خــلتُ الثــريــا عــلقــت بـبـنـانـي
صـافـحـتـه وضـغـطـت بـاليـسـرى على
قــلبــي أخــفــف وطــأةَ الخــفـقـانِ
وســألتُهُ مــاءً لأطــفــئ مــا بــدا
فـي القـلب مـن ظـمـإ ومـن نـيـرانِ
فــأشـار نـحـو القـصـرِ ثـم تـلَهَّبـَت
وجــنــاتُهُ كــعــشــيـقِ بـنـتِ الحـانِ
وافـرحـتـي لو تـسـمـحـن بـزيـارتـي
فــأقــابــل الأحــسـانَ بـالشـكـرانِ
نـقـضـى قـصـيـر الةقـت حـتى ينقضي
وقــت الهــجــيــر بــراحــةٍ وأمــانِ
فــتــحــركـت قـدمـاي تـتـبـع سـيـره
والفـرح عـاق عـن الثـنـاء لسـاني
وولجــت داراً بـالجـمـال تـسـربـلت
مــا حــازهــا قِــدمــاً أنـو شـروانِ
مــا أمــهـا ليـلٌ ولم تـدر الدُجـى
وتــكــادُ تــجــحَــدُ دورة المــلوانِ
وجــلســت أرشــفُ كــأس حــبٍ طــاهــرٍ
ضـنَّ الزمـانُ بـهـا عـلى التـيجانش
وخـلوتُ بـالظـبـي الجـمـيلِ وبينَنَا
غـــزَلٌ كـــعـــذبِ المـــاءِ للظــمــآنِ
طــوراً نُــكَــلِّمُ بــالشِّفــاهِ وتــارةً
يـكـفـى العُـيُـونَ الهـمسُ بالأَجفانِ
مـا كـان أشـهـى خـلوتـي بِـمُـسامري
لو كــانَ يـسـمـحُ أن يـدومَ زمـانـي
غـاب العـواذِلُ والوُشـاةُ ولم يـكُن
بــالسـرِّ يـعـلمُ غـيـرُ غُـصـنِ البـانِ
ولو اعــتــقـدت بـأنـه واشٍ بـمـغـا
قُــلنــا لَصُــنـتُ السـرَّ بـالكِـتـمـانِ
ولئن وشــى للزهــر مــا مـن زهـرةً
إلا بــعــيــنِ صــبـابـتـي تَـرعـانـي
خَـفَـتَ النـسـيمُ يُذيع أسرارَ الهوى
ويـبـوح بـالمـكـنـون مـن أشـجـانـي
فـسـألتـهُ كـتـمـان مـا قـد لاحَـظَـت
خَـــطَـــرَاتُهُ والسَّمــعُ والعَــيــنــانِ
فــأجـابـنـي خَـفِّضـ عـليـكَ وليـتـنـي
كَهـــفٌ أعـــوقُــكَ طــارئَ الحــدَثَــانِ
وجـرى يُـقـبِّلـُ وجـنـتـيـهِ ويـنـثـنـي
يُهـــدى إلى قـــلائدَ العـــقـــيــانِ
فـتـبـودلت بـيـنـي وبـيـن مـغـازلي
قــبــلٌ يــقــطــعــهــا غــرامٌ هـانـي
يــهـفـو الفـؤادُ لوقـعـهـا فـيـردُه
بــاللطـفِ صـوتُ الطـهـرِ والإيـمـانِ
مــا أســعـد الوَلهـانَ حـيـنَ يـضـمُّهُ
بـــيـــتُ المــحــبِّ بــخــلوةٍ وأمــانِ
يـا ليـتـهـا كـانـت تـدومُ وليـتني
قـبـلَ انـقـضـاهـا كنتُ في الأكفانِ
سَـرعـانَ مـا تـجـري أُوَيـقاتُ الهنا
ومــن المُـحَـالِ يـدومُ وقـتُ تـدانـي
نـوريـتُ والظـبـي الجـمـيـل تـفضلا
يـدعـوكـمـا الطـاهـي إلى الألوانِ
بِـئسَ النـداءُ فـقـد حُـرِمـنـا خَـلوَةً
كـــانـــت دَواءً للفــؤادِ العــانــي
مــا كـان أقـصَـرَ مُـدَّةً أنِـسَـت بـهـا
مـنـهُ العـيـونُ فـكـان وصـلَ غـواني
كــرَّت ولكــن لم تَــطُــل فــكــأنـهـا
طَــيــفُ الخــيــالِ يَــلَذُّ للوســنــانِ
لو أنَّ أيــامــي تـفـي ثـمـنـاً لهـا
لبــدَلتُ أيَّاــمــي لهــا بــثــوانــي
أو أنَّ عــمـرَ المـرءِ طـوعُ بـنـانـه
لجــعــلتـهـا عُـمـري وَقُـلتُ كَـفَـانـي

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك