هَوِّن عليك فكلُّ حَيٍّ فان
239 أبيات
|
386 مشاهدة
هَـــوِّن عـــليـــك فـــكـــلُّ حَـــيٍّ فــان
واذكـــر بـــقــاءَ مُــدَبِّرَ الأكــوانِ
واصـبـر على ما قد أصابك واحتَمِل
مُـــرَّ الأَذى ومـــظــالِمَ الإنــســانِ
واجـعـل لنـفـسـك مـن ثـبـاتِـكَ قُـوَّةً
تــكــفــيــك شَــرَّ وسـاوِسِ الشـيـطـانِ
وانــظُــر لمــرآةِ الزمـان بِـنَـاظِـرٍ
رُسِــمَــت عــليــه عـجـائبُ الحـدثـانِ
صَـوِّر عـلى إنـسـان عَـيـنِـكَ مـسـرحـاً
لَعِــبَــت بــســاحَــتِهِ ذَوُو التِّيـجـانِ
مــن كــل عــاتٍ كــم تَــخَــيَّلــَ أنــه
بــلغ الســمــاءَ بِــقُــوَّةِ السـلطـانِ
فَــطَــغــى وَتَــاهَ بـمـلكـه مُـتَـأَلِّهـاً
ودَعَـــتـــهُ عِــزَّتُهُ إلى العِــصــيــانِ
كـم مـن قـصـورٍ بـالمـظـالمِ شـادَهَا
بـاتَـت لِسُـكـنَـى البُـومِ والغِـربـانِ
سَــفَـكَ الدمـاءَ وَجـارَ جَـبَّاـراً وقـد
نــســي الحــسـابَ وَهَـيـبَـةَ الرحـمـنِ
ومــشـى وَمَـقـتُ الكِـبـريـاءِ يَـقُـودُهُ
والعُــجــبُ يــمـلأُ سـاحـةَ الإيـوَانِ
يـروى لك المـاضـي عـجائبَ ما رأى
ويــمــرُّ بــالذِّكــرى عـلى الأذهـانِ
فــإذا وَهَــبــتَ له التَّأـَمُّلـَ لحـظـةً
تــبــدو إليــك شَــرَاسَــةُ الحـيـوانِ
طــوراً تُــبَـاغِـتُـكَ العِـظَـات وتـارَةً
تُــدمــى فُــؤادَكَ قَــســوَةُ الإنـسـانِ
كـم فـي العـصـورِ السالِفاتِ تمثَّلَت
عِــبَــرٌ جَــرَت بـالمَـدمـضـعِ الهَـتَّاـنِ
نُـقِـشَـت عـلى صُـحُـفِ الزمـانِ فَـسَجَّلَت
غَضَبَ السماءِ على الأثيمِ الهَتَّاني
بـيـنـا الجـرائمُ يـسـتـفـزُّكَ بطشُهَا
والظـلمُ يَـفـتِـكُ بـالبـرئ العـانـي
يَـنـجَـابُ دَيـجُـورُ المـظـالمِ مُـسرِعاً
ويــلوح فــجــرُ العــدلِ والإحـسـانِ
ويــروقُ للعـيـنِ التَّمـَتُّعـُ حـيـنـمـا
تـبـدو الفـضـيـلةُ فـي أجَـلِّ مـعاني
يَـصِـفُ الكِـرامَ العـامـليـن ومالهم
فــي المــجـدِ مـن عِـزٍّ ومـن سُـلطَـان
ويُــعــيــدُ ذَكــرَ مــآثــرٍ قـد سَـطَّرَت
لذوي الإنـــابـــةِ آيــةَ الشُّكــران
هِــمَــمٌ تــجــاوزت السِّمـاكَ مـكـانـةً
وعــلَت عــلى الجــوزاءِ والمـيـزانِ
لم يُـبـلِهـا مـرُّ العـصـورِ ولم تَزَل
مــا عَــمَّرَت مــرصــوصــةَ البُــنـيـانِ
تـبـقـى بـقـاءَ العـالمـيـن مَـصُـونَةً
تــزهــو بِــثَــوبِ نَـضـارَةِ الرَّيـعـانِ
تـلك الكـنـوزُ الخـالداتـث بـراءةٌ
للعــامــليــن مَــرَاحِــمُ الغُــفــرانِ
والعـاكِـفينَ على الفضيلةِ والتُّقى
والذاكـــــريـــــن اللَه كــــلَّ أَوَانِ
بِـيـضُ الصـنـائع خيرُ من قد أنجبَت
حَــوَّاء مــن أسـمَـى بـنـي الإنـسـانِ
نــورٌ تــلألأ مــن ســنــاءِ مـواهـبٍ
سَــطَــعــت بـجـوهـرِ أطـهَـرِ الأبـدانِ
شَهِـدَت بـما للمحسنين أولى النُّهى
فــي البِــرِّ مــن سِــرٍّ ومــن إعــلانِ
وبـمـا اقـام المُـصلِحونَ من الهُدى
فــي عــالمِ الذِّكــرى بــكــلِّ مـكـانِ
وبِـصِـدقِ عَـزمِ المُـتّـقـيـنَ ومـا لهم
بــالزُّهــدِ مـن قَـدرٍ عـظـيـمِ الشَّاـنِ
تـتـمَـثَّلـُ الحُـسـنـى ومـا قـد خَـلَّدَت
بــصــحــائفِ التــاريــخِ مـن رضـوانِ
تــبــدو وآيــاتُ الرِّضــاءِ تَــضُـمُّهـا
لِلخُـــــلدِ ضَـــــمَّ الروحِ للأبــــدانِ
سِـيَـرٌ تـمـرُّ عـلى البـصائرِ والنُّهى
مــرَّ الكــريــمِ المُــزنِ بـالوِديـانِ
فَـيَـفـيـضُ مـاءُ الغَـيثِ بين سهولها
ويــســوقُ سَــيــلَ الخِـصـبِ للعـيـدانِ
حـتـى إذا ازدَهَـت المُـرُوجُ وأَينَعَت
لَعِــبَ النــسـيـمُ بِـمُـورِقِ الأغـصـانِ
وَجَــرَت يَــنَـابـيـعُ الحـيـاةِ وَنَـوَّرَت
شَـــتَّى الزُّهُـــورِ بــأبــدعِ الألوانِ
هَـذي قـلوبُ المـهـتـديـن ومـا حَـوَت
بــالهَــدى مــن صــدقٍ ومــن إيـمـانِ
فَـدَع التَّمـَرُّدَ يـا ابـنَ آدم واتَّعِظ
واعــلم بــأنــك فــي نــعــيـمٍ فـانِ
مـهـمـا بَـلَغتَ من المكانةِ وَالغِنَى
والحـــظِّ والإقـــبــالِ والسُّلــطــانِ
وَتَــقَــرَّبَـت مـنـك المـحـاسِـنُ كـلُّهـا
وَسَــعَــت إليــك مــواهــبُ العِـرفـانِ
وَمَــشَـت تُـحَـيِّيـكَ الجـنـودُ وَفَـوقَهـا
رَفَــعَ اللِّوَاءَ بَــوَاسِــلُ الفُــرســانِ
وَالمُـلكُ أقـبَـلَ نـحـو بـابِكَ حامِلاً
بِــيَــدِ المَهـابَـةِ أنـفَـسَ التِّيـجـانِ
وانــقــادَتِ الآمـالُ حـتـى أصـبـحـت
كـلُّ المـطـالبِ مـنـك طَـوعَ الأزمانِ
وَنَــعــيــمُــكَ الزَّاهــي خـيـالٌ زائلٌ
كــالوَهــمِ حــول فَـطـانَـةِ الأذهـانِ
بَـسَـمَـت لك الدنـيـا وَغَـرَّكَ حـسـنُها
فَــغَــدوتَ عــبـدَ جـمـالهـا الفَـتَّاـنِ
وانـقَـدتَ مـدفـوعـاً بـطَـيـشكَ للهوى
وسَــبــاكَ مــنـهـا سـاحـرُ الأجـفـانِ
سَــلَبــت نُهَــاكَ بِــغَـيِّهـا ودهـائهـا
ورَمـــاكَ سَهـــمُ خِــداعِهــا الخــوانِ
مـرَّ الشـبـابُ وأنـت مـسـلوبُ النُّهى
تــلهــو وتــلعــبُ فـي صـفـا وأمـانِ
ودَنـا المـشـيـبُ مُباغتاً لكَ ناعياً
عــهــدَ الشــبــابِ لسـالفِ الأزمـانِ
فـصَـحـوتَ مـرتـجـفَ الفـؤاد مُـقَـلّبـاً
كَـــفَّيـــكَ تــصــلى زفــرةَ النَّدمــانِ
تــبـكـي صِـبَـاكَ وكـيـف ضـاع بَهَـاؤُهُ
والنــفــسُ طـامِـحَـةٌ إلى العـصـيـانِ
فُـيُـريـقُ دَمـعَـك ذِكـرُ أيَّاـمِ الصِّبـا
والذكــريــاتُ مُــثــيــرَةُ الأشـجـانِ
تُــمـسـي وتُـصـبـحُ نـادِمـاً مُـتَـحَـيِّراً
وتَــبــيــتُ فــوقَ مَــراجِـلِ النِّيـرانِ
يــا لَيــتَ عُــمــرَكَ مـا تَـقَـضَّى غَـضَّهُ
فـي اللَّهـوِ بـيـنَ الكأسِ والنُّدمانِ
والكــاعــبــاتِ السـاحـراتِ رَشـاقَـةً
واللاعـــبـــاتِ فــواتِــنِ الغُــزلانِ
والشــاردات الغـيـدِ رَبَّاـتِ البَهَـا
النــاعِــســاتِ مــريــضــةِ الأجـفـانِ
وبــواعـثِ الأُنـسِ القَـصِـيـرِ زَمَـانُهُ
مــهــمــا طَــرِبــتَ لِرِقــةِ الألحــانِ
والمُـغـريـاتِ الصَّاـفـيـاتِ وما لها
فـي النَّفـسِ مـن شـوقٍ ومـن تـحـنـانِ
إنَّ الحــيــاةَ سُــرورَهـا وبُـكـاءَهـا
ونــعــيــمَهــا وشــقــاءَهــا سِــيَّاــنِ
وصــفـاءُ عَـيـشِـكَ يـسـتـحـيـلُ دَوَامـهُ
والنَّفــسُ لا تــخــلو مـن الأحـزانِ
والدهـرُ لا يـبقى على صَفوِ المُنى
يـــلقـــاكَ بــيــن مــخــاوفٍ وأمــانِ
بـيـنـا يـسوقُ لك السَّعادَةَ باسِماص
ويــزيــدُ فــيـكَ مـهـابـةَ السـلطـانِ
يـنـسـابُ كـالأَفـعـى فـيـنـشِـبُ نابَهُ
فــي أمـنِـكَ المُـتَـغَـافِـلِ الوَسـنَـانِ
فــتــهــبُّ مُـلتـاعَ الفـؤادِ مـعـذبـاً
وتــذوقُ ســوءَ عــواقــبِ الخُــســرانِ
تـبـكي على ما فات من زمن الهنا
وتَــنــوحُ نــوحَ الحــائرِ الولهــانِ
إذ ذاك يـنـقـشِـعُ الظـلامُ ويـنجلي
نــورُ اليـقـيـن بـيـقـظـةِ الوُجـدانِ
فــتــذيــقـكَ الأيَّاـمُ مُـرَّ كُـؤُوسـهـا
لتـــعـــيـــشَ بـــيــن مــذلةٍ وهــوانِ
عـدلاً يـبـكـيـكَ القـضـاءُ جـزاءَ ما
أَسـرَفـتَ فـي حُـبِّ المـتـاعِ الفـانـي
فـاقـنَـع مـن الدُّنيا بزادِكَ راضياً
واهـجُـر نـعـيـمـاً عـاد بـالخـسـراتِ
واتـرُك هـداكَ اللَه غـيَّكـَ واسـتـقم
واخــتـر لنـفـسـكَ خـالدَ البُـنـيـانِ
واذكـر هَـوانَـكَ تـحت أطباقِ الثّرى
فـي المُـفـزعـيـنِ الرمـسِ والأَكفانِ
أيـنَ الذيـنَ عـنـا لسـطـوةِ مـلكـهم
قــاصــى المـدائن رهـبـةً والدانـي
ومـشـت مـلةوك الأرض تـحت لوائهم
طـوعـاً تـحـيـطُ بـهـم عُـتـاةُ الجـانِ
وبــأمــرِهِــم جـرَتِ الريـاحُ وسـيـرَت
لهـــم الجـــبــالُ وسُــخِّرَ الثَّقــَلان
أيـنَ الأكـاسـرةُ الذيـن تـفـاخَرُوا
بـــعـــروشــهــم وجــلالةِ الإيــوانِ
وفـخـامـةِ المُـلكِ الرفـيـع عـمـادُهُ
فــي عــهــد أعــدلهــم أنـو شِـروانِ
أيـن الغُـزاةُ الفـاتـحـونَ وبـأسُهُم
أيــن الأُسُــودُ قــيــاصِـرُ الرُّومـانِ
ايــن الرؤوسُ العــبـقـريـات التـي
نــزَلَت عــليــهـا حـكـمـةُ اليُـونـانِ
تــلك الكـنـوزُ الغـاليـاتُ شـهـادةٌ
لبــلوغــهـم أقـصـى مـدى العِـرفـانِ
أيـنَ العـمـالقَـةُ العُتاةُ وأين ما
تــركــوه مــن تَــرَفٍ ومــن عُــمــرَانِ
مـــن قـــومِ عــادٍ والعــراقِ وتُــبَّعٍ
وثـمـودَ مـن شَـقُّوا عـصـا العـصـيانِ
أيـن العـصـورُ المُـدهِشاتُ وما حَوَت
مــن فـطِـنـةٍ أعـيـت قُـوى الإنـسـانِ
عــهــدٌ له شـهـدَ الزمـانُ عـجـائبـاً
ضَــنَّ الوُجــودُ بــهــا لعــهــدٍ ثــانِ
نــالَت بـه مـصـرُ الفـريـدةُ هَـيـبَـةً
لجـــلالهـــا قــد كــبَّرَ القــمــرانِ
عِـلمٌ يُـحـارُ الفـكـر فـي تـكـيـيـفه
بَـــعُـــدَت مـــدارِكُهُ عـــن الأذهــانِ
سِــرٌّ أصــولُ العــلم فــيــه طـلاسِـمٌ
أوحَــى بــهــا الكَهَــنُــوتُ للكُهَّاــنِ
دَرَســتــهُ بــيــن هـيـاكـلٍ ومـعـابـدٍ
مــتــعــاقــديــن بـأغـلظِ الأيـمـانِ
حـفـظـاً لأسـرارِ الحـيـاةِ وما لهم
فــي الأرض مـن حُـكـمٍ ومـن سُـلطـانِ
فــأطـاعـهـم شُـمُّ الجـبـالِ وَصَـلدُهـا
والمـــاءُ لبَّاـــهُـــم بـــكــلِّ لِســانِ
وانـصـاعَ مـخـتـلفُ الريـاح لأمرهم
ومَــشَــت سِــبَـاعُ الطَّيـرِ والحـيـوانِ
رَصَـدُوا الكـواكبَ وهي بين بروجها
تــجــري بِــقُــدرَةِ مُــبـدعِ الأكـوانِ
ومـواقـعَ النـجـم البـعـيـدِ مَـدَارُهُ
فـي الشـاسِـعَـينِ الحوتِ والميزانِ
والثـاقـبـاتِ الشُّهـبِ سابحةَ الفَضا
كــالبَـرقِ بـيـن الجَـدى والسـرطـانِ
حَـسـبُـوا طـوالِعَـكـل نـجـمٍ واهتدوا
لعــجــائبِ الأفــلاكِ فــي الدورَانِ
وتـبـيَّنـُوا تـلك البـروجَ وفـعـلهـا
فــي مــصــر أمِّ المـجـد والعـمـرانِ
فـبـنـوا هـيـاكـلهـم عـلى أسرارها
لتـــدومَ رغـــم طــوارئ الحــدثــانِ
عــلمـوا بـأن الشـمَ سـيـدةُ القـوى
رمــزُ الحــيـاةِ لهـيـكـلِ الإنـسـانِ
ولكــلِّ حــسٍّ حــلَّ تــحــت شــعــاعـهـا
وهـــي النـــمــوُّ لســائر الأبــدانِ
فـالنـبـتُ والحـيـوانُ مـفـتـقرٌ لها
والطــيــرُ بـيـن خـمـائلِ الاغـصـانِ
والمــاءُ لولاهــا لأصــبـح راكِـداً
عــفــنــاً مــن الأقـذارِ والدِّيـدانِ
فـهـي التـي جـعـلتـهُ عـذبـاً جارياً
فـوق السـهـولِ وفـي ربـا الوديـانِ
بــعــثـت لسـطـحِ الأرضِ أعـجـبَ آيـةٍ
حـفـظـت نـظـامَ العـالمِ الحـيـواني
نــوراً ونــاراً مــن وهـيـجِ سـائهـا
مــلأ الفــضــاءَ وعَــمَّ كــل مــكــانِ
حـمـلت بـخـارَ المـاءِ عـذباً طاهراً
خِــــلواً مـــن الأمـــلاحِ والأدرانِ
صَــعَــدت بــه مــتـنَ الهـواءِ كـأنـه
أطــوادُ مــاسٍ فــي ســهــولِ جُــمَــانِ
حـتـى إذا اصـطـدمـت لِسُـرعَةِ سيرِها
تــلك الجــبـالُ هَـوَت مـن الذَّوَبـانِ
طَــوراص تُـمَـزِّقـهـا الريـاحُ وتـارَةً
تـــجـــتــاحُهــا قِــمَــمٌ مــن الصَّوانِ
فـالغـيثُ يكسو الأرضَ ثوباً يانِعاً
والسَّيــلُ يُهـدى الخِـصـبَ للقـيـعـانِ
ولهــا عـلى سـيـرِ الرِّيـاحِ قـيـادةٌ
وعــلى العـنـاصـرِ إمـرةُ السـلطـانِ
والأرضُ لولاهــا لكــانـت بـلقـعـاً
جَــــرداءَ خـــاليـــةً مـــن السُّكـــَّانِ
شـادوا لهـيـكـلها العظيمِ معابداً
مُـــزدانـــةً بــنــفــائسِ القُــربــانِ
نَـسَـبُـوا لهـا مـجـدَ الأُلوهةِ رهبةً
فــانــدَكَّ صَــرحُ عــبــادة الأوثــانِ
عـكـفـوا عـليـهـا عـابِـدينَ وهَدَّموا
مــا شَــيَّدوا للعــجــلِ والجُــعــرانِ
واسـتـخـدمـوا تلك القوى لبلوغهم
مـا لم يـكـن مـن قبلُ في الحُسبَانِ
نَـحَـتـوا بـبـاطـنِ مَـنـفَ أقدسَ مَعبدٍ
جــعــلوه بَــيــتَ ســرائرِ الأكــوانِ
صــنــعــوا له مِــفــتـاحَ سِـرٍّ غـامِـضٍ
نُــقِــشَـت عـليـه طَـلاسِـمُ الكِـتـمـانِ
صــانُــوهُ فــي أعــمـاقِ قـلبٍ سـاهـرٍ
للرَّابِــضِ المُــتَــحَــفِّزِ اليــقــظــانِ
رمـزَ المَهـابَـةِ والرزانـة والحِمَى
للصَّمــتِ فــيــه وللســكــونِ مَــعــانِ
يـرمـي الفـضـاءَ بـنـظرَةٍ قد أوقفت
كَــيــدَ العَــوادي وقـفـةَ الحـيـرانِ
جَـسـدٌ حَـوى أسـمـى القـوى رمزاً له
جِــســمَ الهِـزَبـرِ وهـامـةَ الإنـسـانِ
هـذا أبـو الهَـولِ الرهـيـبُ ثَـبَاتُهُ
مُـفـنـى العـصـورِ وقـاهـرُ الأزمـانِ
عَهِـدُوا إليـه حِراسةَ الوادي الذي
ضَــمَّ الكــنــوزَ غَــوالي الأثــمــانِ
واســتــخـدمـوا أرصـاده لبـلوغـهـم
مــجــداً تَــعَـذَّرَ عـن ذوي التِّيـجـانِ
حــتــى أتــى مــيــنــا وأسَّسـَ مُـلكَهُ
وطَــوَى الزمــانُ صــحـيـفـةَ الكُهَّاـنِ
أيـنَ الفـراعـنـةُ الملوكُ واين من
ربـطـوا السَّفـيـنَ بِـمُـقـلَةِ الرُّبَّاـنِ
أيـنَ الأُسُـودُ الفـاتِـحُونَ وأين ما
بـلغـتـه مـصـرُ بـهـم مـن العُـمـرانِ
آثــارُهُــم فـي مـصـرَ تـشـهـد أنـهـم
كـانـوا الائمَّةـَ فـي قوى الإمكانِ
عـهـدُ العـجـائبِ عـصـرُ منفيس الذي
قــامــت لذِكــرى مــجــده الهَـرَمَـانِ
وطـــلاســـمُ السِّرِّ الذي أهــدى إلى
وادي المــلوكِ سِــيــادَةَ الوديــانِ
وادٍ كــنــوزُ الأرضِ تــحــت أديــمِهِ
مــخــبــوءةٌ عــن أعــيُــنِ الحَـدَثَـانِ
لوأن قــيـمـتـهـا ومـا فـوق الثَّرى
فـي الوَزنِ نـالَت رجـحـةَ المـيـزانِ
أخـفـى مـخـابـئهـا العـديـدةَ طَلسَمٌ
أســـرارُهُ غـــابـــت عـــن الأذهــان
حُــرَّاسُهُ تــرمــي الفــضـاءَ بـنـاظـرٍ
يَــقِــظٍ تــتــبَّعــَ خُــطــوَةَ العُــدوَانِ
سَهِـرَت عـلى تُـحَـفِ المـلوكِ أمـيـنـةً
مــن بــطــن مَـنـفَ إلى رُبـا أسـوانِ
وعـلى القِـبـابِ البِـيضِ قام أَشَدُّها
عَــزمــاً يُــؤَدِّي واجــبَ التــيــجــانِ
كَهـفٌ حَـوَى كَـنـز الكـنـوزِ ولم يكن
أبـــداً لِتُـــدرِكَهُ يَـــدُ الإنـــســانِ
قــد هَــيَّأــَ الكَهَــنُـوتُ أرصـاداً له
أَلقَــت عــليــه طَــلاسِــمَ النِّسـيَـانِ
تِـيـجـانُ بَـيتِ المُلكِ من مينا إلى
مَـلِكِ الوَغـى سـيـزوسـتـريس الثاني
وصـوالجُ الأُسـدِ الفـراعـنـة التـي
ســحــرت عــيــونَ قـيـاصـرِ الرُّومـانِ
وحُــــلِيُّ رَبَّاــــتِ الخُـــدُورِ قـــلائدٌ
مـــنـــضـــودةٌ مـــن جَــوهَــرٍ فَــتَّاــنِ
أيـنَ الجـبـابـرةُ المـلوكُ وَبَـأسُهُم
يـوم اشـتـدادِ الكَـربِ في الميدانِ
وجـمـاجـمُ الأعـداءِ جَـنـى سُـيُـوفِهِم
تــهــالُ تــحــت سَــنـابِـكِ الفُـرسَـانِ
والجــو أقــتَـمُ والدُّرُوعُ تـطـايـرت
مــن هَــولِ مــا قـد حـلَّ بـالأبـدانِ
وَجِــيـادُهُـم تـنـسـابُ تـحـت عـجـاجـةٍ
ظَـــلمـــاءَ بـــيـــن أَسِــنَّةــٍ ودُخــانِ
كـالأُسـدِ تَـنـقَـضُّ انـقـضـاضَ صـواعـقٍ
تــجــتـاحُ مـا تَـلقـاهُ مـن بُـنـيَـانِ
تــتــكـدسُ الأشـلاءُ تـحـت رِكـابِهـا
فــي مَــوجِ بــحــرٍ مــن نـجـيـعٍ قـانِ
لم يَثنيها حَشدُ الجموع عن المنى
كــلا ولم تَــحــفِــل بــهــولِ طِـعَـانِ
مــهـمـا تـلاحَـمَـت الصـفـوفُ لِرَدَّهـا
فــشَــلَ العــدوُّ وبــاءَ بــالخـسـرانِ
وانــدَكَّ صــرحُ حــصــونِهِ وتَــشَــتَّتــَت
أبـــطـــالُهُ فــي ظُــلمَــةِ الوِديــانِ
ومـشـى القـضـاء إلى العدوِّ ومزَّقَت
يُــمــنــاهُ قـهـراً رايـةَ العِـصـيـانِ
وتـقَـدَّمَ النـصـرُ المـبـيـنُ مُـصافحاً
أبــطــالَ مــصـرَ ضـيـاغِـمَ المـيـدانِ
فــيــك لِّ وادٍ كــان مـيـدانـاً لهـم
نــقــشـوا مـواقـعـهـم عـلى الصَّوَّانِ
أثــراً يُــمــثِّلـُ بـطـشـهـم بـعـدُوِّهـم
فــتـكَ الجـيـاعِ الأُسـدِ بـالغُـزلانِ
صُـــوَراً تـــدلُّ لى ســلامــةِ ذَوقِهِــم
وهُــيــامِهِــم بــالغَــزوِ والعُـمـرانِ
دخـلوا المـدائنَ فـاتـحينَ وعَمَّرُوا
مــا هَــدَّمَ الجــبــرُوتُ مـن بُـنـيـانِ
وبَـنَـوا لمـصـرَ المـجـدَ رغم مطامعٍ
للفُـــــرسِ والآشُـــــورِ والرُّومــــانِ
دُوَلٌ تـمَـنَّتـ مـا لِمـصـرَ مـن العُـلا
ولكـم تـضـيـعُ مـع الغـرورِ أمـانـي
قـامـت لتـبـنـي المـجد لكن خانَهَا
بَـطـشَ الأُسُـودِ بـهـا وجَهـلُ الباني
أيــنَ الفَـراعِـنَـةُ الذيـن تـألَّهُـوا
فـي مِـصـرَ مـن خُوفلإو إلى الرَّيَّانِ
رَعَــمُــوا بــأنَّ اللَهَ حــلَّ بـروحِهِـم
نــوراًوهــيــمـنـهُـم عـلى الإِنـسـانِ
فَـطَـغَـوا وعـاثُوا مُفسدين وأَسرَفوا
فـي الظُّلـمِ والجـبـرُوتِ والطَّغـيـانِ
كَـفَـرُوا فـمـا الإِنـسـانُ إلا هيكلٌ
جَــســدٌ ســيُــصـبـحُ طـعـمَـةَ الدِّيـدانِ
والكــبــريــاءُ إذا تــمـكَّنـَ غـيُّهـا
مــن نــفــســه دَفَــعَــتـهُ للعـصـيـانِ
فــهــي الجُــنــونُ لكــلِّ غــرٍّ جـاهـلٍ
قـــد هـــاجَهُ مَـــسٌّ مـــن الشَّيــطــان
أو فـهـي مـقـتُ اللَهِ صُبَّ على الذي
نــســيَ الإله وبــاءَ بــالخُــســرانِ
ظـلمـوا وجـاروا واسـتـبـدُّوا قسوةً
واســتــســلمــوا لأَوامــرِ الكُهَّاــنِ
ظَــنُّوا بــأَن نـعـيـمـهـم وهـنـاءَهـم
فـي مُـلكِ وادي النـيـلِ ليـس بِـفَانِ
واسـتـخدموا الإنسان في أهوائِهِم
واســتــعــبَــدُوه بــرهــبــةٍ وهَــوَانِ
نـحَـتُوا الجبالَ وشيَّدُوا من صَلدِها
فــوق الهِــضَــابِ غــرائبَ الأَوثــانِ
رمــزاً لآمــون الذي عـكـفُـوا عـلى
تــقــديــســهِ رَدحــاً مــن الأَزمــانِ
ولمـجـدِ إيـريـس التـي ظَـنُّوا بـهـا
ســـرَّ الحـــيــاةِ وصــحــةَ الأبــدانِ
ولعـجـل مـنـف ومـاله قـد هـيـكلوا
جـــســـداً يــمــثــلُهُ بــكــلِّ مــكــانِ
آبــيــسُ حــيــاً أكــرمــوه ومــيـتـا
قــد جَهــزُوه بــأنــفَــسِ الأَكــفــانِ
ومــشــت تُــشـيِّعـُهُ المـلوكُ يـحـفُّهـُم
كــهــنــوتُ مــنـفَ لمـدفـن الثِّيـرانِ
عَـبـدُوه فـي ظـلِّ الحـيـاةِ وبـعـدَها
سـجـدوا لهـيـكـله الرَّمـيمِ الفاني
كـفـروا بمن خلقَ الوجودَ وأَشرَكوا
بــالواحــدِ المــتــكــبــرِ الدِّيــانِ
وبـنـوا مـن الصـخر الأَصم معابداً
تــحــت الرُّبَــا وبـبـاطـنِ الوِديـانِ
دُوراً بـبـطـن الأرضِ لم تَـجسُر على
تــدمــيــرهـا يـومـاً يَـدُ الحـدَثَـانِ
قـد أودعـوهـا مـا اسـتـحالَ وجُودُهُ
مــهــمــا تـولى الأرضَ مـن عُـمـرانِ
صـوراص مـن الذَّهـبـش المُصَفَّى مَثَّلَت
أشـبـاحَ مـا عَـبـدُوا مـن الهَـذَيـانِ
وعـلى الهـيـاكـلِ حـولهـا تُحَفٌ لها
قـــد رُصِّعـــَت بـــالدُّرِّ والمَـــرجــانِ
وبـابـدع الصُّوَرِ الجـمـيـلةِ سَـجَّلُوا
أسـرارَ مـا اعتَقَدُوا على الجُدرانِ
نقشاً على الصخر الذي عجزَ البِلَى
عــن مَــسِّهــِ لدقـيـق صُـنـعِ البـانـي
مَــرَّت بــه الأجــيــالُ وهــو كـأنـه
لم يَــمــضِ بــعــدُ لِصُــنــعِهِ يَـومَـانِ
تـرمـى مـعـانـيـه العجيبةُ عن مدى
بُعدِ المُفكِّر في المصير الجُسماني
والجـسـمُ يـقـضى في الحياةِ نصيبَهُ
حـتـى يـحـيـنَ مـن الحِـمـامِ تـدانـي
فـيـفارقُ الدنيا إلى الدار التي
بـــســـعـــادةٍ تـــلقــاهُ أوبــهــوَانِ
كـلُّ النـفـوسِ إلى الخـلود مصيرُها
والحـــظُّ مَـــوكُــولٌ إلى الغُــفــرانِ
قـد بَـرهَـنَ الإيـضـاحُ فـي تصويرهم
بـــأدقِّ فـــهـــمٍ فـــي أتــمِّ بــيــانِ
عـن صـحـوة الأجـسـادِ بـعد رقودها
وقــيــامِهــا للحــشــر والمــيــزانِ
حَـيـرَى تُـبـعـثِـرَهـا القـبورُ كأنها
سَـيـلُ الجَـرادِ يـهـيـمُ في الوِديانِ
هــذا هـو البـعـثُ الذي جـحـدَت بـهِ
أُمَــمٌ غَــوتــهــا فِـتـنـةُ الشـيـطـانِ
حــقّــاً له فــطــنُـوا ولمـا تـأتِهِـم
رُسُــلٌ لتــهــديــهُــم إلى الإيـمـانِ
ولقـد رأى الحـكـمـاءُ أنيَدَ البِلَى
لا بُــدَّ أن تَــسـطُـو عـلى الأبـدانِ
فــتــظــلُّ تُـنـشِـزُ فـي عـظـامٍ رَطـبَـةٍ
حـــتـــى تُــجَــرِّدَهــا مــن الديــدانِ
فــإذا تــجَــرَّدَ أصــلُهــا وتــطــهَّرَت
مــن كــلِّ مــا حَــمَـلَت مـن الأدرانِ
أخـــذ البـــلى أصــلهــا وتــطــهَّرَت
مــن كــلِّ مــا حَــمَـلت مـن الأدرانِ
اخـذ البِـلَى يَـسـرى فـيـنخَرُ هيكلاً
يــنــهــارُ تــحـتَ عـوامِـلِ الذَّوَبـانِ
عِهــنــاً فَــتُــربـا كـي يُـرَدَّ لأصـله
والتــربُ أصــلُ سُــلالَةِ الإنــســانِ
لا بـدَّ يـومـاً كـلُّ مـن فـوق الثرى
ذرّاً يــكــون عــلى مَــدَى الأَزمــانِ
لمــا بـدا ليـقـيـنـهـم مـا راعَهُـم
وتـــبـــيَّنــوا أن كــلُّ شــيــءٍ فــانِ
خـافُـوا عـلى أجـسادهم من هَولِ ما
يَــنــتــابُهـا فـي وَحـشـةِ الأكـفـانِ
فـتـمـكَّنـوا بـالعـلم مـن تَـحليلَها
ودَمُ الحــيــاةِ يَــدِبُّ فـي الأبـدانِ
فـحـصُوا كُرَاتِ دَمِ الوريدِ وكيف قد
ردَّ الحـــيـــاةَ لهــا دَمُ الشُّريَــانِ
وتـبـيَّنـوا القـلبَ العـجـيبَ بُطَينُهُ
وأذَيــنــه فــي الصـدر يَـنـقـبِـضَـانِ
ليــحــوِّلا مَــصــلَ الوريــدِ إلى دَمٍ
حـــيٍّ إذا مـــا دار يَــنــبَــسِــطــانِ
بـحـثُوا العِظامَ وما حَوَت أدوارُها
فــي الشِّيــبِ والإطــفـالِ والشُّبـَّانِ
بـحـثـاً يـحـارُ الطـبُّ فـي تـلعـيـلهِ
عَــرَفُــوا بــه مــا هـيَّةـَ الحـيـوانِ
وبــقــاءهــا عــمــراً طــويـلاً غـضَّةً
فــــي قــــوةٍ وســــلامــــةٍ ومِــــرانِ
فــنـخـاعُهـا واللحـم سـرُّ حـيـاتِهـا
وهــمــا لحــفــظ كـيـانِهـا حِـصـنـانِ
مـا غـابَ عـنـهـم عـنصرٌ لم يفقهوا
تـأثـيـرَهُ فـي الهَـيـكـلِ الجـثماني
لهـم انـطوى العلمُ العجيبُ وصرَّحَت
بــالرغـم مـنـه غـوامـضُ الكِـتـمـانِ
فــتـوصَّلـُوا لنـوالِ مـا قـد أَمَّلـُوا
ومـع الهـزيـمـةِ لا تَـضِـيـعُ أمـاني
كـانـت نـتـيـجـةُ بـحـثهم أن وُفِّقُوا
عِــلمــاً بــســرِّ صــيــانـةِ الابـدان
بـعـدَ المماتِ من اتِّصَال يد البِلى
يــومــاً لتــبــقــى آيــةَ الأزمَــانِ
أَمـنـاً تـمـرُّ بـهـا القُرُونُ وبعدَها
تـتـعـاقـبُ الأحـقـابُ فـي اطـمئنانِ
وقـــوامُهـــا صـــلبٌ فَـــتِـــيٌّ ذاَبـــلٌ
قــد غــادرتــهُ نــضــارةُ الرَّيـعـانِ
ألقـى السُّبـاتَ عليه سلطانُ الكرى
وقـد اخـتـفـى عـن أعـين الحدثضانِ
لم تـنـتقِصه سوى الحياةِ ولم يكُن
بــالمـيـت أحـرى مـنـهُ بـالوَسـنـانِ
تـرمـي مـنـاعـتـهُ الزمـانَ بـنـظـرةٍ
سَــخِــرَت بــفــتــك كـوارث العـدوانِ
والدهـرُ يـعـجَـبُ أن سـلطـان البلى
مــكــتــوفــةٌ بــالرغـم مـنـهُ يَـدانِ
مَــرَّت بـه تـلك العـصـورُ وتـنـقـضـى
أمــثــالُهــا وقُــوَاهُ فــي نُــقـصَـانِ
ســـدٌّ رهـــيــبٌ كُــلَّمــا قَــد هَــمَّ أن
يــجــتــازَهُ لا يــسـتـطـيـعُ تَـدانـي
هــذا هــو الســرُّ الذي هَــزَمَـت بـه
حــكــمــاءُ مــصــرَ عَـوادِي المـلوانِ
أقــصــى عـن الإغـريـق كـلَّ حـضـارةٍ
وقــضــى عــلى مــدنــيــة الرومــانِ
مـا أبـعـد الإنـسـان فـي تـفـكيره
لو كــان مـنـصـرِفـاً إلى العـرفـانِ
تـأتـي المـواهـبُ لو تكامل نورُها
بــالمُــعــجِـزاتِ بـعـيـدةِ الإمـكـانِ
هـل بـعـدَ تـلك الخـارقـات فـطـانَةٌ
أو بــعــد ذيَّاــك النـجـاحِ أمـانـي
أجــســادُهـم شـهـدَت بـقـوَّةِ عـزمـهـم
وثـــبـــاتــهــم وبــحــدَّةِ الأذهَــانِ
ظـهـرت لنُـورِ الشـمـسِ وهـي كـأنَّهـا
لم تـقـض بـعـد المَـوتِ غـيـرَ ثَـوانِ
وكــــأنَّ آلافَ الســـنـــى تـــبـــدلت
يــومــاً مــضــى فــي راحــةٍ وأمــانِ
هـي بـيـنـنـا وتـظـل دهـراً بـعـدنا
وهـي التـي شـهـدت ضـحـى الطـوفـانِ
قـد أظـهـر التـحـنـيـط أعـجـبَ آيـةٍ
وصــلت إليــهــا حــكـمـةُ الإنـسـانِ
عــجــزَت شـعـوبُ الأرضِ عـن إدراكـه
وخــبـا سـراجُ الطـبِّ فـي اليـونـانِ
وَخَـلَت بـحـارُ العـلمـش مـن أصدافِهِ
مُـــذ كـــفَّ كـــوكـــبُهُ عــن الدَّوَرَانِ
عِــلمٌ مـواهِـبُه السـمـاءَ فـأصـبـحَـت
مــمــزوجــةً بــالعــالمِ الرُّوحـانـي
قـد كـان إحدى المعجزات ولم يَزَل
أعــجـوبـةَ الدنـيـا مـدى الأَزمـانِ
وكــفـى بـه فـخـراً لمـصـر وأهـلهـا
أمِّ القـــرى سُـــلطــانــةِ الوديــانِ
هـي جـنـةُ الدُّنـيا التي قد أحرَزَت
مــا عــز مــن مُــلكٍ ومــن عُــمــرانِ
مشاركات الزوار
0أضف تعليقك أو تحليلك