لَقَد كانَ في بَغداد للشؤم يأَمرُ

66 أبيات | 324 مشاهدة

لَقَـد كـانَ فـي بَـغـداد للشـؤم يـأَمـرُ
عَـلى فـرقـة مـن فـيـلق التـرك جـعفرُ
وَكــــــانَ له زوج وكــــــان ركــــــونُه
إليـهـا كَـثـيـراً فـهـي تـنـهـى وَتأمر
تــســمــى زليـخـاً وَهـيَ شـمـطـاءُ فـظـةٌ
مــن النــاس طـراً بـالقَـسـاوة تـذكـر
وكــانَ له مــنــهــا فــتــاة جَــمـيـلةٌ
قَـد اِشـتَهَـرَت واسـم الجَـمـيـلةِ دلبـر
وَجــاريــة فــي بــيــتــه شــركــســيــةٌ
تــسـمـى سُـليـمـى وَهـيَ عَـذراءُ مـعـصـر
مـــهـــفــهــفــة رود كــأن قــوامــهــا
قــضــيــب مــن الليــمــون غــضٌّ مـنـوَّر
لهــا نــظــر كــالســيــف مـاض غـرارُهُ
وَوجــه كــمــثـل الزهـر أَو هـو أَزهـر
تــكــاد بــفــرع طــال مــنــه غــدائرٌ
ثــلاثٌ إذا مــا أَســبــلتــهـنَّ تـعـثـر
تَـفـوق عَـلى بـنـت الأمـيـر بـحـسـنها
وأخــلاقــهــا فـيـمـا يـقـال وَيـخـبـر
وَقَـد جـاءَ أن البـنـت دلبـر نـابـهـا
عــيــاء مـن الجـدريّ بـالمَـوت يـنـذر
فـأنـشـب فـيـهـا الداء أَظـفـار فتكه
وأعـجـز مـن قـد كـان فـي الطب يمهر
فَـمـاتَـت بـه فـي مـيـعـة مـن شـبابها
وَسـيـقـت إلى حـيـث الأكـابـر تـقـبـر
إلى حــيــث لا يــرجــى مــآب لراحــل
إليــه وَهَـل مـن مـورد المـوت مـصـدر
وإن الَّذي قـاسَـت زليـخـا مـن الأسـى
عَـــلى دلبـــرٍ فـــوق الَّذي يُـــتــصــور
بــكـتـهـا سـليـمـى بـالدمـوع غَـزيـرة
وَبــاتَ عــليــهــا قــلبُهــا يــتــفـطـر
وَلكــن بـكـاهـا المـسـتـمـر لحـزنـهـا
عَــلى دلبـرٍ مـا كـانَ يُـجـدي وَيـثـمـر
فــإن زليــخــا كــلمــا بــصــرت بـهـا
أحــســت بـنـار فـي الجـوانـح تـسـعـر
فـتـسـخـط إذ لا شـيـء يـوجـب سـخـطها
وَتــشــتــمــهــا فــي وجــهـهـا وَتـحـقِّر
وَتــرفـسـهـا مـن غـيـر ذنـب بـرجـلهـا
وَتـوجـع ضـربـاً بـالعـصـا وَهـيَ تـصـبر
لَقَـد أَشـفـق الخـدامُ في القصر كلهم
عـليـهـا ولكـن مـن عَـلى المنع يجسر
أَبــت أن تــراهــا كــل يـوم جـمـيـلة
وَدلبــر تــبــلى فـي التـراب وَتـدثـر
تَـمـوت بـريـعـان الشَـبـيـبـة بـنـتُهـا
وَتَـحـيـا سـليـمـى فـي مـحـاسـن تـكـثر
تَـقـول أَلا لَيـتَ المَـنـايـا تـجـنـبـت
فَــتــاتــيَ واحــتــلت بــمــن تـتـخـيـر
وَلَيـتَ المَـنـايـا مـا تـخـرَّمْـنَ دلبراً
وَغــلْنَ سـليـمـى فـهـي بـالمـوت أَجـدَر
وَهَـل ذنـب هَذا الدهر إذ غال دلبراً
وأَبـقـى سـليـمـى فـي الحَـيـاة يُـكـفَّر
حَــيــاة ســليـمـى بـعـد مـيـتـة دلبـرٍ
مــن الدهــر ذنـبٌ فـادح لَيـسَ يـغـفـر
فـدى دلبـراً بـل سـاعـةً مـن حَـيـاتها
كــمــثــل ســليـمـى أَلفُ بـنـتٍ وأكـثـر
وَظَــنــيَ أَنَّ المــوت قـد كـانَ قـاصِـداً
ســليـمـى فَـقـالَت إنـنـي أنـا دلبـر
وَتــلك ســليــمــى وَهـي تـومـي لدلبـرٍ
فــخــذهــا ورح يـا مـوت إنـك تـقـهـر
ســليـمـى خـدعـت المـوت حـتـى دللتـه
عَــلى دلبــرٍ إن الَّذي جــئت مــنــكــر
ســأجــزيــك شـراً بِـالَّذي قـد عـمـلتـه
مــن الشــر إنـي يـا سـليـمـي لأقـدر
أشـــوه وَجـــهــاً طــالَمــا بــجــمــاله
فــتـنـت عـيـونـاً نـحـو وجـهـك تـنـظـر
فـيـصـبـح مـنـك الوجـه قـد زالَ حسنه
جَـمـيـعـاً وَمـنـه النـاس أجـمـع تـسخر
وَصــاحَــت بــخـدامٍ لديـهـا فـجـنـدلوا
ســليــمــى كــشـاةٍ بـالقـسـاوة تـجـزر
فــقــصـت زليـخـا فـرعـهـا مـن أصـوله
وَكــانَ يَــزور الأرض ســاعــة يــنـشـر
وَنــتــفــت الأهــداب مــنـهـا وحـلَّقـت
حــواجــبَ زجــاً راق مــنــهــن مــنـظـر
سـمـعـت عـويلاً في دجى اللَيل راعني
وَعــــلَّ بـــه روعَ المـــلائكِ أَكـــبـــر
فَـسـاءلتُ مـا هَـذا العـويـل فقيل لي
فـــؤادٌ بـــإيــقــاع الأذى يــتــكــسَّر
وَقَـد كـانَـت الدار الَّتـي نزلوا بها
عَــلى دجــلة حــيــث المــيــاه تـحـدَّر
سـليـمـى اِرتـقَت في سطحها بعد هجعة
من الناس في الأطراف وَاللَيل مقمر
تــفـكِّر فـي اللَيـل الَّذي ازدان جـوه
بـمـا فـيـه مـن نـجـمٍ يـغـيـب وَيـظـهر
وإشـراق وجـه المـاء بـالبدر لامعاً
عــليــه مــن الأنــوار ثــوبٌ مــحــبَّر
كـأَنَّ الصـبا ما أَولع النفس بالصبا
عَـلى المـاء آلافـاً مـن الماس تنثر
رأَت كـل شـيـء فـي الطَـبـيـعـة غيرها
جـمـيـلاً بـه تـجـلى العـيـون وَتـبـهر
وَلكــنــهــا دون الخَــليــقــة كــلهــا
مــن الوجــه يُـمـحَـى حـسـنُهـا وَيُـغـيَّر
أَأَهـرب مـن وجه الرَزايا إِلى الفلا
إلى الغـاب إن الغـاب لا شـك أسـتر
وَلكـــنـــنــي لا أَهــتَــدي لسَــبــيــله
فـهَـل مـن دَليـل لي لدى اللَه يـؤجـر
وَهـــب أن لي ذاكَ الدَليـــل وأنــنــي
هـربـت فـهَـل يـألو عَـن البـحـث جعفر
إذا ظــفــرت بــي عــنــده يــد سـيـدي
فــإن زليــخــا مــن عــذابــيَ تــكـثـر
وأحــســن مــنـه اللوذ بـالمـوت إنـه
عَــلى غــيــره عــنـد الضَـرورة يـؤثـر
فــإن المَـنـايـا لا يـرجـعـنـنـي إلى
زليــخــا وإن كــانَــت بــذلك تــأمــر
أمــوت أَجــل إنـي أَمـوت فَـفـي الردى
نَـجـاتـي الَّتـي مـا زلت فـيـهـا أفكِّر
ألا أَيُّهــا البــدر المــنــور إنـنـي
ســأبــلى وَبَـعـدي هَـكَـذا أَنـتَ تـسـفـر
لأنـت سَـعـيـدٌ أيُّهـا البـدر فـالتـمِعْ
كَـمـا شـئتَ لا زالَت بـك الأَرض تزهر
فَــمــا لزليـخـا أَيُّهـا البـدر سـلطـة
عــليـك وَلا إن رقـت يـا بـدر تـوتـر
وَداعـا فـإنـي أَيُّهـا البـدر لا تـرع
إلى المـوت مـن هَـذا المَـكان سأطفر
وَبــــعـــدئذٍ جـــازى الإلهُ بـــعـــدله
بــيــوتـاً بـإيـقـاع الجـرائر تـعـمـر
رمـت نـفـسـهـا فـي دجلة فاِختفت بها
كـأن لم تـكن شيئاً على الأرض يذكر
تـفـكـرت فـي أَمـر الحَـياة فَما الَّذي
تــعــلمــت مــنــه أيــهــا المــتـفـكِّر
تَـرى زهـرة قـد أعـجـب العـين لونها
وفــاح لهــا فــي الروض عَـرفٌ مـعـطـر
تـهـب عـليـهـا الريـح مـن بـعد ساعة
فــتــســقــط مــن أَوراقـهـا وَتُـبـعـثـر
وَتــبــصــر عــصــفــوراً تــزيــن ريـشـه
يــغــرد فــي عـالي الغـصـون وَيـصـفـر
فَــيَــلقــاه صــقــر ذو مــخـالب أَجـدَلٌ
فــيـخـطـفـه مـن قـبـل مـا هـو يـشـعـر
وَمِــمّــا يـسـلِّي النـفـس مـنـيَ عـلمُهـا
بــأن بــقــاء الشــيــء لا يــتــيـسـر
فـيـردى الَّذي قـد كـانَ للغير مردياً
وَيـقـهـر مـن قـد كـانَ لِلنـاس يـقـهـر
وَلَم تــكـن الأشـيـاء تـفـنـى وإنـمـا
إلى صـــورة مـــن صـــورة تـــتــغــيــر

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك