إليكَ فما الدّنيا وإن عُظِّمت قدراً
89 أبيات
|
467 مشاهدة
إليـكَ فـمـا الدّنـيـا وإن عُـظِّمـت قـدراً
سوى الدمنةِ الخضراءِ والمحنةِ الكُبرى
ديــارٌ بــراهــا الله قــدمــاً لحــكــمِهِ
مـــغـــيَّبـــةً عـــنَّاــ وأوهــبَهــا عُــمــرا
وأنــشــأ مــنـهـا الخـلقَ أمـراً يُـريـدُهُ
وأودعَهـم فـيـهـا إلى النـشـأةِ الأُخرى
وأجــرى عــليــهــم مــا يــريــدُ وقــوعَهُ
وألهـــمَهـــمْ صــبــراً وواعــدَهُــمْ أجــرا
وفــوَّضَ فــيــهــا الأمـرَ حـكـمـاً لنـفـسِهِ
وأتــقــنَهــا صُــنــعــاً وأوســعَهــا بــرَّا
فــهــيــكـلُهـا يـسـبـي العـقـولَ تـعـجُّبـاً
ومـنـظـرُهـا الأسـنـى نـحـيـرُ بـه فِـكـرا
تــتــيــهُ بــمـا قـد خـصَّهـا مـن مـحـاسـنٍ
مـــعـــطَّرةِ الأرجـــاءِ طـــيَّبـــةٍ نَـــشْــرا
وفــي كــلِّ وقــتٍ إنْ نــظــرتَ لشــكــلِهــا
تــقــولُ ســلامــاً هـذه الجـنَّةـُ الصُّغـْرى
مـــطـــالعُ أنـــوارٍ مـــشـــارقُ بـــهــجــةٍ
مــعــارجُ أســرارٍ نــمــيــلُ بـهـا سُـكـرا
نــــجـــومٌ وأفـــلاكٌ تـــظـــلُّ جـــواريـــاً
مـدى الدهـرِ لا تـنـحلُّ يوماً ولا تَبرا
شــمــوسٌ وأقــمــارٌ تــغــيــبُ وتــنــجــلي
عـليـنا مدى الأيامِ في القبّةِ الخضرا
ريــــاضٌ وأزهــــارٌ طــــيــــورٌ ســـواجـــعٌ
فــواكــهُ أشــجــارٍ نــزيــدُ بـهـا شُـكـرا
عـــيـــونٌ وأنــهــارٌ تــســيــلُ جــواريــاً
كـمـا الفضةُ البيضاءُ نُفشي بها السِّرا
مــــــآكـــــلُ أقـــــواتٍ مـــــشـــــاربُ لذَّةٍ
مــطــاعـمُ لن نـسـطـعْ لأنـواعِهـا حَـصـرا
ديـــارٌ بـــراهــا اللهُ نــزهــةَ نــاظــرٍ
وطـــهَّرهـــا بــطــنــاً وشــرَّفــهــا ظَهْــرا
فـمِـنْ أرضِهـا اليـاقوتُ يُخلقُ في الثَّرى
ومـنـهـا نَـرى البـيـضاءَ تخرجُ والصَّفرا
مـــعـــادنُ أحـــجـــارٍ مـــنـــابـــتُ فـــضَّةٍ
مــواطــنُ أبــرارٍ تــتــيــهُ بـهـا فَـخْـرا
ولكــنَّهــا تــفــنــى ويَــبــلى نـعـيـمُهـا
وتـرجـعُ بـعـدَ اليـأسِ مـن حـمـلِها قَفرا
وفـــي كـــلِّ قــرنٍ إن نــظــرتَ لشــأنِهــا
تُــرحِّلــُ مَــنْ فــيـهـا وتـنـثـرهُـمْ نَـثـرا
وتــأتــي بــأقــوامٍ وتــفــعــلُ فــعـلَهـا
فــلا خــالدٌ تـبـقـيـهِ حَـيَّاـً ولا بَـكـرا
فـلا خـيـرَ فـي دارٍ بـهـا المـوتُ قـاطنٌ
يُـــراقـــبُ أهـــليـــهــا وإنْ مُــلئتْ دُرّا
ولسـنـا نـرى الأفـعـالَ مـنـهـا حـقـيقةً
فــذلكَ مــمــا يُـوجـبُ المَـيـنَ والكُـفـرا
فــليــسَ لغــيــرِ اللهِ فــيــهــا تــصــرفٌ
إلهٌ تــعــالى يَــخــلقُ النــفــعَ والضَّرا
تــدورُ بــهــا الأفــلاكُ طــبــقَ قـضـائِهِ
تـبـاركَ مـن مـولىً إذا مـا قَـضـى أمْـرا
فــلا زحــلٌ فـي الكـونِ يـأتـي بـمـحـنـةٍ
ولا منحةٌ في الدهرِ تأتي بها الزّهرا
لِدُنــيــا بــراهــا اللهُ جــنَّةــَ كــافــرٍ
وأودعَ فـيـهـا المـوتَ سـيَّاـنِ والفَـقـرا
وأرسـلَ كـلبَ الجـوعِ فـيـهـا على الورى
عــدوّاً فــلم يــقــبــلْ لمــعــتـذرٍ عُـذرا
يــصــولُ عــلى المــخــلوقِ صــولةَ فـاتـكٍ
إذا لم يــجــدْ قــوتـاً فـيـقـتـلهُ جَهْـرا
فـمـنْ خـوفـهِ الإنـسـانُ يـصـبـحُ نـاصـبـاً
شـيـاكـاً لصـيـدِ القـوتِ أنـواعُهـا تَترى
فـيـجـمـعُ مـنـهـا المـرءُ بالكدِّ والشقا
ليـدرأ بـالمـجـمـوعِ عـن نـفـسـهِ الشـرّا
وَمــن أجــلِهِ الإنــسـانُ يُـلقـي بـنـفـسِهِ
عـيـاناً على المكروهِ في حالةِ العُسرى
فـــهـــذا هُــو الداءُ الذي حــيَّرَ الورى
وأمـسَـتْ بـه الحـوبـاءُ تـسـتَـعبدُ الحُرّا
قــديــمــةُ عــهــدٍ فــي الوجــودِ وإنَّنــا
لنــحــســبُهـا مـن وشـيِ بُـرقـعـهـا عُـذرا
فــكــانــت وشــيــطــابــيــل حـربـاً لآدمٍ
عـجـوزاً لحـاهـا اللهُ تـسـتنبطُ السِّحرا
تــــخـــيـــلُ للأبـــصـــارِ حـــتَّى وإنَّنـــا
لنـحـسـبُ طـيـرَ المـاءِ مِـن سـحرِها صَقرا
ونــحــســبُ أنَّ الهــرَّ مــن فـرطِ سـحـرِهـا
إذا عــايــنَ الجــرذانَ مِـن هـرةٍ نـمـرا
شـــديـــدةُ بـــطـــشٍ لا تــمــلُّ تــقــلُّبــاً
فـلا عـيـشُهـا يـصـفـو ولا جُـرحُها يَبرا
فـكـم غـيـبـتْ فـي الأرضِ وجـهـاً مـنـعماً
وكـم كـسـفَـتْ شـمـسـاً وكـم خَـسـفَـتْ بـدرا
وكـــم عـــفّــرتْ بــالتــربِ خــداً مــورداً
وكــم أحــرقَـتْ قـلبـاً وكـم صـعَّدتْ زَفـرا
وكــم خــيّــلت سِــحــراً وألقـتْ حـبـالَهـا
وأفـنـتْ جـيـوشـاً مـثـلَ داحـسَ والغـبـرا
وكـم رفـعتْ في الدهرِ قوماً على الهَبا
وكـم نـصـبَـتْ قـومـاً ولكـن عـلى الإغرا
وكــم حــلَّ فــيــهـا مـن أنـاسٍ تـقـدّمـوا
وهـامـوا بـهـا عشقاً وتاهُوا بها فخْرا
تـلاهَـوا عن الأُخرى ومالوا معَ الهوى
وغــرّتــهــمُ الدّنــيـا بـزخـرفِهـا قَـسْـرا
فــراحــوا ولم نـدرِ بـمـاذا يُـقـابَـلوا
مـن الواحـدِ القـهّـارِ في باطنِ الغبرا
فــإنْ كــان فـيـمـا أسـلفـوهُ فـبـالحـري
وإنْ كــانَ بــالغـفـرانِ فـهـوَ بـهِ أحـرى
دخــلْنــا إليــهــا مُــكـرَهـيـن ولم نَـزلْ
حَـيـارى بـهـا والمرءُ من شأنِه الحَيرا
ونـــخـــرجُ مــنــهــا جــاهــليــنَ لأنَّهــا
هـي الروضـةُ الغـنَّاـءُ والحـيَّةـُ البَتْرا
فـــديـــتُــك خــلِّ العــقــلَ عــنــكَ وَنَــحِّهِ
فــليــسَ لهُ فــيــهــا مــجـالٌ ولا قـدرا
تــخــالفَــتِ الأقـوالُ فـيـهـا تـبـايُـنـاً
فــلا أحــدٌ مِــنّــا أحــاطَ بِهــا خُــبْــرا
فــمــا هــيَ إلّا دهــشــةٌ تـصـرعُ الحـجـى
وحــرفٌ غــريـبٌ فـي الحـروفِ فـلا يُـقـرا
بــهــا مــرضٌ أعــيـا الأطـبـاء والرُّقـى
مـتـى صـادفَـت شـخـصاً فتنوي له الغَدرْا
وإنْ أبـصَـرتْ فـي الحـيِّ ظـبـيـاً مُـنـعَّمـاً
فَــتَـصـلي له فَـخـاً وتُـوقـع بـهِ الشَّفـْرا
وإن عـايـنـتْ كـبـشـاً غـريـبـاً فـتَـنـثَني
وتــصــنـع لهُ طـوقـاً وتَـبـنـي لهُ قـصْـرا
تُــعــربــدُ مــهــمــا مـسَّهـا مـن سـفـاهـةٍ
فـتـحـسـبُهـا مـن سـوءِ أفـعـالِهـا سَـكـرى
مــتــى دخــلت للســرِّ تــبــغــي طــهــارةً
فـتـدخـلُ بـاليُـمـنـى وتَـخـرجُ بـاليُـسـرى
وإن وقـــفـــتْ ليــلاً تــصــلِّي فــريــضــةٌ
فـتـنوي قبيلَ الفرضِ من جهلِها الوِترا
تـــســـتِّر أعــلاهــا بــفــاضِــلِ بُــردِهــا
وتــكـشـفُ عـمَّاـ يـوجـبُ الصَّونَ والسّـتـرا
تــمــيــلُ مــع العــشَّاــقِ مــيــلةَ عـاهـرٍ
فــتــوســعُهـم صَـفـعـاً وتـقـتـلُهـمْ قـهْـرا
وتُـــبـــدي لهــم دلّاً يــذلُّ له الفَــتــى
وتــوعــدُهُــم وصــلاً وتــنــجـزُهـم حَـسـرا
فـــمـــا هـــيَ إلّا جـــيــفــةٌ وكِــلابُهــا
عـليـهـا مـدى الأيّـامِ تـلقى لهم هَمْرا
فــإن واصــلَتْــنـا بـالكـمـال فـمـرحـبـاً
وإن صــارمَـتـنـا بـالمَـلالة فـالعـقـرا
فــلا يــأسَــفِ الإنـسـانُ إنْ هـيَ أدبَـرتْ
عــليــهــا فــلا واللهِ إنْ نَــبـعَـتْ دُرَّا
فــــمــــا هــــيَ دارٌ للخــــلودِ وإنَّمــــا
بَــراهــا لتـلكَ الدارِ فـاطِـرُهـا جِـسْـرا
هــبـطـنـا عـليـهـا واللعـيـنُ رفـيـقُـنـا
بــأمــرٍ قـضـاه اللهُ قـد حـيَّر الفِـكْـرا
وســـلَّطـــه قــهــراً عــلى النــاسِ قــولهُ
وأجــلي عــليــهــم فـهـي مـوعـظـةٌ أُخـرى
تــعــوّضــهــا المــلعــونُ صــفـقـةَ خـاسـرٍ
عــنِ الجـنَّةـِ الفـيـحـا ليـمـلأَهـا وِزرا
فــصــارتْ لهُ داراً مــقــيــلاً وأهــلُهــا
عــبـيـداً سـوى أبـنـاءِ ضـرَّتِهـا الأُخـرى
يــصــول بــهــا شــرقــاً وغـربـاً وقـبـلةً
ولم يُــبــقِ بــرّاً مِــنْ أذاهُ ولا بَـحْـرا
ويـجـري بـبـعـضِ النـاس مـجـرى دمـائِهـم
فــيــمــلأهُـم فـسـقـاً ويـشـحـنُهـم كِـبـرا
فــهــذا هــوَ الأصـلُ الذي جـلبَ العَـنـا
لوالِدنــا فــيــمــا أســاءَ بــهِ مَــكْــرا
وحــتّــى مــنَ الجــنّــاتِ أخــرجَ عــاريــاً
وقـد كـانَ فـيـهـا لا يـجـوعُ ولا يَـعرى
وصــيَّرنــا فــيــمــا تــراهُ مــن البــلا
بــدارِ هــوانٍ تُــنـبـتُ الخـمـطَ والسِّدرا
مــتــى ضــحــكــتْ يــومــاً تــريــكَ مــودَّةً
فـتـبـكـيـكَ فـيـمـا تـبـتـليـكَ بـهِ شَهْـرا
وإن أنــعَــمــتْ عــفــواً عـليـكَ بـنـعـمـةٍ
فـتـأتـيـكَ بـالمـكـروهِ فـي صـورةٍ أُخـرى
نُــعــانــي بـهـا الأهـوالَ فـي كُـلِّ شـدَّةٍ
إذا حــسَــرتْ أكـمـامَهـا أنـشـبَـتْ ظِـفـرا
ونــهــضــمُ فــيــهــا كــلَّ شــخــصٍ مــبــددٍ
ثــقــيـلٍ يـرضُّ الصـخـر إن وطـئَ الصَّخـرا
وفــيــهــا ضـبـاعٌ تـأكـلُ المـيـتَ جـهـرةً
وتـعـدو عـلى الأعـظـامِ تـتسوَّرُ القبرا
وفـــيـــهـــا ذئابٌ مـــع وحــوشٍ كــواســرٍ
وفـيـهـا ارتـوت تـمـلأ السَّهلَ والوعرا
وفــيــهــا حـدأةٌ تـخـطـفُ اللحـمَ دائمـاً
وتـعـلو عـلى الأشـجارُ تستعمل الوَكرا
وفــيــهــا أنــاسٌ بــالصــلاحِ تــلبَّســوا
ولكــنَّهــُمْ بــالمـكـرِ فـاقـوا أبـا مُـرَّا
فـمـنـهـمْ شـديـدُ المـكـرِ يـسـعـى بـعـمـةٍ
لهـا عـذبـة للنَّصـب يـبـغـي بـها الجرّا
فــيــأتـي إلى النـزهـاتِ قـانـصَ سـبـحـةٍ
بـيـمـنـاهُ والتـلبـيس مالئ به العُسرى
أكــولٌ مــتــى مــا شــامَ قِـدراً مُـعـرَّمـاً
فـيـأكـلُ أكـلاً بـالغـاً يـحـسـف القـدرا
ومــنــهــم أنــاسٌ بــالطَّريــق تــلبَّســوا
يـرومـون جـرَّ المـالِ بـالعـمَّةـِ الصَّفـرا
فــمـنـهـم نَـرى الدجَّاـلَ يُـبـدي ذوائبـاً
ويَـمـشـي كـمـشـي الضُّلِّ بالشالةِ الحمرا
فـيـرجو بها المضروبَ في الشام عاجلاً
ويـطـمـعُ بـالمـسـكـوكِ فـيـمـا يلي مِصرا
وإن رُمــتُ أســتـقـصـي مـظـاهـرَ قُـبـحـهـا
وأنـواعَهـم في الكون تلوي بي الكَثْرا
فــأيُّ ســرور يــلحـقُ المـرءَ فـي الدُّنـا
وفــيـهـا رزايـا لا نُـطـيـقُ لهـا ذِكْـرا
فــــمـــا هـــي إلّا حـــســـرةٌ ونـــدامـــةٌ
يـراهـا غـدُ الإنـسانِ من باطنِ الغبرا
مشاركات الزوار
0أضف تعليقك أو تحليلك