أكاروس هذا مسبح الطير فاركبِ
69 أبيات
|
748 مشاهدة
أكــاروس هـذا مـسـبـح الطـيـر فـاركـبِ
وتـلك المـهـاوي مـن خـضـارة فـاجـنبِ
ومــا زال يــغــروري البـلاد ويـتـقـي
تــصــعــد أثــنــاء الذرى بــالتـصـوبِ
إلى أن تــلقــتــه «كــريـتـ» وربـهـا
عــلى خــيـر أهـل فـي حـمـاهـا ومـرحـبِ
وأمَّلــ «مـيـنـو» مـنـه حـصـنًـا لمـلكـه
فــحــصــنــه «مــيــنــو» بـمـلك مـؤشـبِ
ومـــا مـــلك إلا له مـــن صـــنـــاعـــة
مــعــاقــل يـبـنـيـهـا ليـوم عـصـبـصـبِ
هـنـالك كـان الأمـن لو يـأمـن امرؤ
يُـــخـــاف ويُــرجــى للمــخــوف المــؤربِ
تــحــيَّر ديــدالوس مــا بــيــن مــنـكـر
وشـكـر، وغـب اثـنـيـهـمـا غـيـر طـيـبِ
أيـحـمـل شـكـر المـلك أم كـيـد عـرسـه
وأنــجــاهــمــا فــي طــيـه سـم عـقـربِ
غوت عرس مينو واشتهت ساء ما اشتهت
مـن النـاسـ، لا بـل مـن بـهيم مذنبِ
تــحــن إلى ثــور وتــهــوى اقــتـرابـه
وليــس ولي العــهـد مـنـه بـمـعـجـبِـ!
فــأولدهــا طــفــلًا له مــثــل ظـلفـه
إلى شــــر وجــــه آدمــــي ومــــنـــكـــبِ
ويــا رب أنـثـى تـعـشـق الثـور كـلمـا
سباها فتى بالجسم لا الروح يستبي
فـمـن غـيـر ديـدالوس يـخـفـي شنارها
ويــرعــى مـهـاد الطـفـل رعـي المـؤدبِ
أهــابــت بــه أمًّاــ وأنــثــى حــريـصـة
ومــالكــة حــيــرى، فــلم يــتــهــيــبِ
بـنـى لسـليـل الثـور حـرزًا، وليـتـه
تـــلمـــس حــزرًا مــن غــوائل مــغــضــبِ
غـوائل «مـيـنـو» حـيـن ثـارت ظـنـونـه
وضــاجــع أشــجــان المـعـنَّى المـعـذَّبِ
وأقــســم لا واقٍ مــن المــوت عــنــده
ولا وائل مــن ســخــطــه المــتــلهــبِ
وأهـول مـن هـول الخـضـارم فـي الدجى
ضـــراوة مـــهــتــوك وغــيــظ مــخــيــبِ
وراحــت بــنـات المـاء يـنـدبـن حـوله
ومـن يـر أنـقـاض الصـبـا الغض يندبِ
طــريــحًــا عـلى صـخـر تـغـشـيـه رغـوة
مـن العـيـلم الغـضـبـان في غير مغضبِ
عـــلا بـــدم حـــي وخـــر مـــضـــمـــخًـــا
بــه فــي جــنــاحــي أرجــوان مــخـضـبِ
تــعــشـقـهـا نـارًا، فـإن جـاءه الأذى
مـن النـار، فـليـعتب فلا حين معتبِ
ومــا هــي إلا وثــبــة بــعــد وثــبــة
إلى الشــمــس حــتــى عـزه كـل مـوثـبِ
وأسـكـره الشـوق الجـديد فما ارعوى
لنـــصـــح نـــصـــيــح أو لزجــر مــؤنــبِ
ووارتــه مـن عـيـن الغـريـم فـنـونـه
وكــانــت مــنــارًا بــيـن شـرق ومـغـربِ
تــعــشــقــهــا مــفــتــونــة فـتـقـبـلت
هـــواه بـــوجـــه صـــادق النــور خــلبِ
مـضـى ناجيًا من بأس «مينو» فهل نجا
فـتـاه مـن البـأس الذي فـيـه يختبي
فـــحـــلق مـــزهـــوًّا وفـــر مـــظـــفـــرًا
وأغــرى لســان الســخـر بـالمـتـعـقـبِ
تــســربــل مــن ريــش وســربــل نــجــله
خـــوافـــق لوّى بــيــنــهــا ألف لولبِ
أهــاب الصــنــاع العــبــقــري بــفـنـه
فـلبـاهـ، فـاسـتـعـلى بـه مـتـن أشهبِ
وقــالوا: أمــن رب الجـزيـرة حـربـه
يـوقـيـه عـرض البـحـر أو طـول سـبـسـبِ
فـلمـا تـنـادى الجـنـد وارتجت القرى
وخــيــف الأذى مــن حــاضـريـن وغـيـبِ
بــلى قـد نـجـا لولا طـمـاح سـمـا بـه
إلى الشـمـس في ثوب من النار مذهبِ
ومــا مــن عــزاء للشــبــاب عــلمـتـه
ســوى مــدمـع مـن أعـيـن الحـسـن صـيـبِ
تــشــرد واســتــعــدى لإخــفـاء أمـره
ذكـاء يـريـك النـجـم فـي جـنـح غـيـهبِ
ومــا كــان إلا أن نــبـا بـكـليـهـمـا
فــضــاء أثــيــنــا مـن مـقـيـم ومـعـزبِ
زوى الغـاشـم المـخـدوع عـنـا سـفـينه
ونــادى، فــنــحــى جــنـده كـل مـركـبِ
وظـن بـنـا عـجـزًا، فـيـا سـوء رأيه!
مـتـى حـيـل مـا بـيـن السـمـاء وكـوكبِ
أدر مـركـب الريـش الذي مـا اسـتـقله
أنـــيـــس ولا جـــن ولا ذات مـــخــلبِ
وطِـرْ نـلتـمـس عـبـر الشـمـال ونرتحل
عــلى ســنــة الطــيــر التـي لم تُهـذَّبِ
تــراهـا إذا ضـاقـت بـلاد بـسـربـهـا
عــلى أهــبــة فــي جــوِّهــا المــتـقـلبِ
ألا وادخــر عــزمًــا يــقــودك شــرخــه
إلى الأوج فــاحــفـظـه لشـوط مـغـيـبِ
وســـر قـــدمًـــا إن المـــطــار لواحــد
ولكــن ســبــيــل الأوج ليـس بـمـقـربِ
أكــاروســ! إنـا هـاربـان مـن الردى
فـلا تـجـعـل العـقـبـى إلى شـر مـهـربِ
تـوسـط فـلا تـهـبـط ولا تـعـلُ مـصـعدًا
ولا تـكُ مـن يـعـلو إلى غـيـر مـطـلبِ
فــإنــك إن تــغـتـر بـالشـمـس يـنـخـذل
جــنــاحـك أو تـبـتـلَّ بـالمـاء تـرسـبِ
هـنـا لافـح يـوهي اللحام، وها هنا
لريــــشــــك وهـــيٌ مـــن رشـــاش مـــرطَّبِ
أكــاروســ، إنــي بــاذل لك مــن يــدي
ومـن خـبـرتـي ذخـر الصـنـاع المـجربِ
تــذكَّر عــظــاتـي واعـلم اليـوم أنـه
صـنـيـع الحـجـى لا الكـف أنفس مكسبي
ولا تـتـخـذ ريـشـي وتـنـسَ نـصـيـحـتـي
يــخُـنْـكَ جـنـاح الرأي يـومًـا فـتـعـطـبِ
أقــل مــن الصــخــر امــرؤ ضـم جـسـمـه
أمــانــة روح لم يــصــنــهــا لمــأربِ
ولي فـــيـــك أعــمــار طــوال وللدنــى
فـأسـنـد إلى عـزم الصـبـا حزم أشيبِ
حـيـاتـك مـن بـعـدي معادي، ولن ترى
فـتـى صـالحًـا يـجـنـي الفـناء على أبِ
فـأصـمـاهـ، لم يـشـفق عليه من الردى
وواراهــ، لم يــنــدم ولم يــتــحــوبِ
تـــغـــيـــظ لمـــا بـــزه فـــرع صــنــوه
ولم يـرع حـق الأخـت فـي ابـنٍ مـحببِ
ولكــنــه بــئس الغــيــور عــلى اسـمـه
وقـد يـحـمـل الغـيـران أوزار مـذنـبِ
ويــبــنــي فــمــبــنــاه عــمـاد لأمـة
وبـــيـــت لأجـــيـــال وزيــن لمــنــصــبِ
يُــعِــيــرك مــن يــمـنـاه صـوله قـشـعـم
وخــلســة ثــعــبــان وحــيــلة ثــعــلبِ
ونــاهــيــك ديــدالوس مـن ذي حـصـافـة
قـديـر عـلى فـعـل الأعـاجـيـب مـعـجبِ
فــهــذا مــســجــى فــي ثــراهــا مـتـرب
وهــذا مــزجــى دونــهــا كــالمــتــربِ
ومـن يـؤتَ تـصـريـف الجـمـاد يـضـف بـه
أكــفًّاــ وأعــضــادًا إلى كــل مــنـكـبِ
صــــنـــاع له كـــف كـــأن أكـــفـــنـــا
مـن العـجـز إن قـيـسـت بـهـا لم تركبِ
وصــاة لديــدالوس وصــى بـهـا ابـنـه
ونِــعْــمَ المــوصِّيــ مــن حــكــيـم مـدربِ
فــإمــا لقــاء بــعـدُ فـوقَ صَـعِـيـدِهـا
وإمـــا فـــراق شـــاعـــب كــل مــشــعــبِ
إِلى الجــو هــذا يــا بــنــي وداعـنـا
وللأرض مـــنـــا لهــفــة المــتــغــربِ
بُـنَـيَّ اسـتـمـع قـولي فـمـا بـعـد نسيه
ســـبـــيـــل إلى تـــكــراره لمــعــقــبِ
ولِلأمــسِ شــوقٌ أن يَـرى الغـدَ طـالعًـا
فـإن مـات يـومٌ قـبـل مـاضـيـه فاعجبِ
عــليــم بــأسـرار الفـنـونـ، وإنـهـا
لتُــقــبَــس مــن سـر الحـيـاة المـحـجـبِ
إذا جــال فـي حـسـبـانـه هـان عـنـده
دمــوع ذراهـا الحـزن مـن طـرف أشـيـبِ
مشاركات الزوار
0أضف تعليقك أو تحليلك